وبحسب فوتبول ترانسفير، فإن الأندية المدعومة من صندوق الاستثمارات العامة أنفقت مبالغ هائلة لجلب نجوم من أوروبا، قبل أن تضطر لاحقًا للتخلي عنهم بخسائر كبيرة. ففي حال إتمام إعارة موسى ديابي المتداولة مع إنتر، والتي تتضمن خيار شراء بقيمة 35 مليون يورو، يكون الدوري قد خسر نحو 262 مليون يورو من بيع وتسريح تسعة لاعبين فقط. ديابي نفسه كان قد انتقل إلى الاتحاد قادمًا من أستون فيلا مقابل 60 مليون يورو قبل 18 شهرًا فقط، ليغادر بعد فترة قصيرة بقيمة تقل كثيرًا عما دُفع فيه، في نموذج يعكس سوء التخطيط والاستعجال في بناء المشروع.
ويضيف الموقع أن حجم الخسائر يتجاوز 300 مليون يورو عند احتساب اللاعبين الذين جرى إعارتهم دون بيع نهائي حتى الآن، وعلى رأسهم جون دوران وجواو كانسيلو. هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن فشل رياضي، بل تكشف أيضًا خللًا بنيويًا في إدارة الأموال العامة داخل قطاع الرياضة في "السعودية"، حيث تُضخ المليارات بلا رؤية اقتصادية واضحة ولا حسابات استثمارية واقعية.
أكبر مثال على هذا الهدر، كما يوضح فوتبول ترانسفير، كان صفقة نيمار مع الهلال. اللاعب البرازيلي انتقل من باريس سان جيرمان مقابل نحو 90 مليون يورو، وسط ضجيج إعلامي ضخم رافق وصوله إلى "السعودية"، قبل أن يغادر إلى نادي طفولته سانتوس في صفقة انتقال حر بعد سبع مشاركات فقط خلال 18 شهرًا. ولم يشارك نيمار فعليًا إلا في عدد محدود من المباريات بسبب إصابة بقطع في الرباط الصليبي الأمامي بعد خمس مباريات فقط، ما جعل الصفقة واحدة من أكثر الصفقات خسارة في تاريخ الدوري.
ولا يتوقف النزيف عند نيمار. فبحسب الموقع نفسه، تكبّد الهلال خسارة أخرى مع المهاجم ألكسندر ميتروفيتش، الذي انتقل لاحقًا إلى الريان القطري بعد أن كان الهلال قد ضمّه مقابل 52.6 مليون يورو، ليغادر دون مقابل تقريبًا. هذا النمط المتكرر يكشف أن الهدف لم يكن بناء فرق مستقرة، بل مجرد استعراض سياسي قصير الأمد.
ومن بين الصفقات الأخرى التي خُتمت بخسائر واضحة، يشير فوتبول ترانسفير إلى رينان لودي بخسارة بلغت نحو 23 مليون يورو، وجوتا بخسارة تقارب 21 مليون يورو، وإيمريك لابورت بخسارة تقدر بـ17.5 مليون يورو، وغابري فيغا بخسارة تقارب 15 مليون يورو. كما بيعت صفقات مثل سيكو فوفانا وألان سانت-ماكسيمان بخسائر اقتربت في كل حالة من عشرة ملايين يورو، في مسلسل متواصل من الإنفاق غير المدروس.
ويؤكد التقرير أن النزيف لم يتوقف عند المواسم الماضية فقط، بل ما زال مستمرًا هذا الموسم. فبحسب بيانات فوتبول ترانسفير، بلغ صافي الإنفاق المجمع لدوري روشن في موسم 2025/2026 وحده نحو 507 ملايين يورو، وهو رقم ضخم يعكس أن السلطة في "السعودية" ما تزال تعتمد منطق الشراء المكلف بدل البناء الرياضي الحقيقي.
صحيح أن مشروع كرة القدم في "السعودية" لم يُقدَّم منذ البداية كمشروع ربحي، بل كأداة لتسويق صورة النظام دوليًا، إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، كما يطرح فوتبول ترانسفير، هو: إلى متى يمكن الاستمرار في هذا الإنفاق الهائل بلا عائد حقيقي؟ فالملايين تُهدر بينما يعاني المواطن من أزمات معيشية، وتُفرض ضرائب ورسوم جديدة بحجة “الإصلاح الاقتصادي”.
ورغم استمرار أسماء كبيرة مثل كريستيانو رونالدو، كريم بنزيمة، سيرغي ميلينكوفيتش-سافيتش وروبن نيفيز في الملاعب داخل "السعودية"، إلا أن عودة عدد متزايد من أبرز الصفقات إلى أوروبا بعد أقل من موسمين فقط يوجّه رسالة سلبية لبقية اللاعبين. فبحسب تحليل فوتبول ترانسفير، قد يؤدي هذا التذبذب إلى تردد نجوم آخرين في المستقبل قبل الإقدام على الانتقال إلى دوري روشن، بعدما اتضح أن التجربة ليست مستقرة رياضيًا ولا جذابة مهنيًا على المدى الطويل.
في المحصلة، تكشف أرقام فوتبول ترانسفير أن كرة القدم في "السعودية" تحولت من مشروع تطوير رياضي إلى أداة إنفاق سياسي، تُستخدم لتلميع الصورة الخارجية للنظام أكثر مما تُستخدم لبناء منظومة احترافية مستدامة. ومع تجاوز الخسائر 300 مليون يورو، واستمرار الإنفاق بمئات الملايين كل موسم، يبدو أن دوري روشن بات مثالًا صارخًا على كيف يمكن للسلطة أن تحرق المال العام في مشاريع دعائية قصيرة العمر، دون رؤية اقتصادية حقيقية، ودون مساءلة عن مصير هذه المليارات التي تُصرف باسم الرياضة بينما يدفع ثمنها المجتمع كله.