تاريخيا، شرّع آل سعود باب الجزيرة العربية أمام المال والنفوذ الغربيين. ولم يكن هناك من حسيب ولا رقيب على آليات تلزيم المشاريع وتنفيذذها وتسليمها وإدارتها، سيّما بالنظر إلى مصلحة الشركات ورؤوس الأموال السعودية.
مع إطلاق محمد بن سلمان لرؤية 2030، بات واضحاً أن البلاد مقبلة على "هجمة باطون" تطال أغلب المحافظات، انعكست على الشعب حملات هدم وتهجير تحت ستار "التنمية" والرؤية المزمعة.
مع الوقت، بدأت تبرز مشاكل لدى النظام السعودي لناحية تمويل مروحة مشاريع بن سلمان في "السعودية"، حتى باتت إيرادات النفط لا تكفي لتمويل مروحة الاستثمارات بين تلك الفنيّة والرياضية والعمرانية. واعترف النظام في العديد من الأحيان بوقف العمل بمشاريع محددة أو تأخير إتمامها.
في ما يهم استعراضه حاليا، إلى جانب كل ما ورد، هو ما أعلنت عنه "هيئة السوق المالية السعودية"، الاثنين، إنها ستسمح للأجانب بالاستثمار في الشركات المحلية المدرجة في السوق المالية للسعودية وتمتلك عقارات في مكة المكرمة والمدينة المنورة، و"ذلك في إطار تطلع البلاد إلى جذب المزيد من الاستثمارات"، بحسب ما جاء في البيان.
ستسمح هذه الخطوة للأجانب بالاستثمار في الشركات التي تعتمد إيراداتها على الحج، أحد أهم مصادر الدخل لأرض الذهب الأسود.
وقالت الهيئة في بيانها إن هذه الخطوة تهدف إلى "جذب رؤوس الأموال الأجنبية، إلى جانب توفير القدر اللازم من السيولة للمشاريع في مكة المكرمة والمدينة المنورة سواء القائمة أو المستقبلية".
وأعلنت "السعودية" أنها تهدف إلى استقبال 30 مليونا سنويا لأداء الحج والعمرة بحلول عام 2030
وأضافت الهيئة أن الخطوة المذكورة ستكون مقتصرة على "أسهم تلك الشركات السعودية المدرجة في السوق المالية السعودية أو أدوات الدين القابلة للتحويل للأسهم أو كليهما باستثناء المستثمر الاستراتيجي الأجنبي الذي لا يحق له التملك في الأسهم أو أدوات الدين القابلة للتحويل الخاصة بالشركة".
وأضافت الهيئة أنه "لن يُسمح لمن لا يحملون الجنسية السعودية بتملك أكثر من 49 بالمئة من أسهم الشركات المعنية. وسمحت المملكة لغير السعوديين في عام 2021 بالاكتتاب في صناديق العقارات التي تستثمر داخل حدود مدينتي مكة والمدينة".
تأتي هذه القرارات متلازمة وحاجة النظام لرفع منسوب الاستثمارات الخارجية في البلاد، وفي محاولة لتحقيق الهدف المعلن لناحية تطوير حجم الاستيعاب خلال مواسم الحج، هذا من جهة.
من جهة أخرى، هناك إجماع إسلامي عام على حرمة تملّك غير المسلم في المدينتين المقدستين، هذا بمعزل حرمة الدخول لغير المسلمين الذي لا يلتزم به بن سلمان بل رأينا الوفود اليهوجية في المدينة المنورة لزراعة النخيل وكذا في مكة المكرمة على جبل أحد وعلى مقربة من الكعبة الشريفة.
إن عمليات التوسيع والتطوير المزمعة في المدينة المنورة ومكة المكرمة ليست بجديدة، لكنها بشكلها الحالي ستسهل تنفيذ الأطماع الصهيونية ليس بمجرد المضي بمسار التطبيع، بل بالتملك في المدينتين المقدستين ولا سيّما في المناكق التي يعتبرها اليهود إرثا يهوجيا كمنطقة خيبر.
ومقابل كل هذه التسهيلات، تعرضت ومازالت شريحة وساعة من قاطني أحياء المدنتين لعمليات تهجير قسرية تحت شعار "التوسعة". إذ أقدمت ما تسمى بـ"هيئة تطوير المدينة" إلى نزع ملكية 230 عقاراً مُوزَّعاً على مساحة 550 ألف متر مربع، تمهيداً لبدء تجريفها، جاء ذلك في بيان للهيئة يوم 23 كانون ثاني / يناير 2023. وإقرار فصل الخدمات عن العقارات الواقعة ضمن مشروع توسعة مسجد “قباء” والمنطقة المجاورة له.
وبالتوازي، ارتفع عدّاد المهجرين قسريا في “السعودية”، بعد أن عزم النظام السعودي على ارتكاب جريمة تهجير جديدة بحق سكّان أكثر من 30 حياً في مكة المكرمة. وفي هذا الإطار، تحدَّث الرئيس التنفيذي لما يسمى “الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة”، صالح الرشيد، عن وجود مشروع لدى الهيئة “يستهدف 30 حياً على الأقل” تحت ذريعة “التطوير”. وادعى الرشيد، خلال فعاليات الملتقى العلمي 22 لأبحاث الحج والعمرة والزيارة، أنَّ “هدف المشروع هو معالجة وضع الأحياء الحالية وإبراز هوية معمارية تستند إلى معايير التوسعة الثانية للمسجد الحرام”.
وتنال مكة المكرمة نصيبها من سياسات “الشطب الديمغرافي”، حيث جري في مكة منذ ما يقارب الخمسة عقود عملية تغيير ممنهج لهوية المدينة، التي كانت على مر قرون قيمة روحية للمسلمين، لتتحول إلى مدينة عالمية! لقد صارت مكة المكرمة في ثوبها الجديد مدينة مزدوجة الهوية، والأسوأ، أن تسارع وتيرة البناء تُهدد بحسم ذاك الصراع الهوياتي لصالح العالمية والعولمة. ولكن الشواهد المرصودة توضح أن مكة المكرمة التي كانت يوما من الأيام واديا قاحلا يستقطب الحجاج في رحلة روحانية تطهيرية، قد تحولت إلى نطاق تجاري استثماري استهلاكي محوط بالفنادق الفاخرة وناطحات السحاب الشاهقة ومراكز التسوق العالمية. الموقع المعماري المهيمن على المدينة ليس المسجد الحرام حيث الكعبة المشرفة، محط أنظار وصلوات المسلمين في كل مكان، لكن ما يهيمن على المشهد هو فندق مكة الملكي وبرج ساعته البغيض الذي يرتفع لـ 1972 قدمًا فوق الأرض، هو واحد من أطول المباني في العالم، بل هو تطور ضخم لناطحات السحاب حيث يضم مراكز تسوق فاخرة وفنادق ومطاعم لفاحشي الثراء، لم تعد القمم الوعرة تهيمن على الرائي، لقد دُكت الجبال القديمة دكًا، ويحيط بالكعبة الآن التي تبدو كقزم هياكل الصلب والخرسانة، فيما يبدو مزيجًا قميئًا من ديزني لاند ولاس فيغاس.
بدأت المرحلة الأولى من تدمير مكة المكرمة في منتصف التسعينات. المباني القديمة التي لا تُحصى، بما في ذلك مسجد بلال، والتي يعود تاريخها إلى عهد النبي محمد – صلى الله عليه وسلم -، تم تجريفها من أساسها، البيوت العثمانية القديمة وأبوابها المنحوتة ببراعة، تم استبدالها بأخرى حديثة بشعة، وفي غضون بضع سنوات، تحولت مكة المكرمة إلى مدينة حديثة مع طرق متعددة الحارات تظهر للرائي كتقاطعات السباغيتي! ولا يمكن لعينك أن تخطئ الفنادق المبهرجة ومراكز التسوق.
أما القلة الباقية من المباني والمواقع ذات الأهمية الدينية والثقافية فقد تم تدميرها في الآونة الأخيرة، حيث تم بناء برج الساعة في 2012 على أنقاض نحو 400 موقع تاريخي وثقافي، بما في ذلك المباني القليلة المتبقية والتي يعود عمرها لأكثر من ألف سنة، وصلت الجرافات في منتصف الليل، وشُردت الأسر التي عاشت هناك منذ قرون. يذكر أن أحد المجمعات السكنية الاستثمارية تقف على قمة قلعة أجياد، التي بُنيت حوالي 1780م لحماية مكة المكرمة من اللصوص والغزاة، بيت السيدة خديجة، الزوجة الأولى للنبي محمد تحول إلى كتلة من المراحيض. لا تقتصر سياسات النظام السعودي على الإهمال ومنع حصول المواطنين على حقهم الطبيعي من الخدمات الحياتية الضرورية، بل تجاوزه للسعي وتحت مسميات عديدة مبتكرة سعوديا إلى تهجير أهالي الأحياء الأكثر سكانا . وفي هذا الإطار، أعلنت “الهيئة الملكية” لمدينة مكة والمشاعر المقدسة، في وقت سابق، استهدافها إزالة ما يزيد على 4500 عقار بحي النكاسة في جميع المراحل.