عاجل:
السلطات السعودية تفشل في فطم اقتصادها عن النفط
من الإعلام 2025-08-07 08:10 1582 0

السلطات السعودية تفشل في فطم اقتصادها عن النفط

بعد ما يقارب العقد من إطلاق ابن سلمان لرؤيته 2030، والتي وعدت بتحرير إقتصاد شبه الجزيرة العربية من هيمنة النفط

بعد ما يقارب العقد من إطلاق محمد بن سلمان ما سُمّي بـ"رؤية 2030"، والتي وعدت بتحرير إقتصاد شبه الجزيرة العربية من هيمنة النفط، تكشف التقارير الاقتصادية الدولية حقائق تثبت فشل هذه الوعود. فبدلاً من "الاستغناء عن النفط" بحلول عام 2030 كما ادعى بن سلمان، تظهر الأرقام أن "النظام السعودي" أصبح أكثر اعتماداً على عائدات النفط من أي وقت مضى، مما يدفعه نحو دوامة خطيرة من الديون والإنفاق المفرط.

في تقرير لموقع "بلومبيرغ"، تم التأكيد على أن عائدات النفط لا تزال تشكل 60% من إيرادات البلاد و65% من صادراتها. هذا الواقع يناقض تماماً وعود بن سلمان التي روجت لانتقال اقتصادي شامل، مع زيادة توظيف النساء وازدهار السياحة ونمو صناعات ناشئة مثل السيارات الكهربائية. والمفارقة الأكبر تكمن في أن السعودية اليوم تحتاج إلى سعر نفط أعلى بكثير مما كانت عليه قبل عقد لتغطية نفقاتها.

يقدّر "بلومبيرغ" سعر التعادل المالي للنفط في السعودية بـ96 دولاراً للبرميل لتغطية الميزانية الحكومية. وإذا أضفنا الإنفاق على المشاريع الضخمة ضمن "رؤية 2030"، يرتفع هذا الرقم إلى 113 دولاراً. هذا مؤشر خطير يوضح أن كل دولار إضافي من عائدات النفط يتم استهلاكه على مشاريع عملاقة لا تحقق عائداً فورياً، مما يجعل الاقتصاد رهينة لتقلبات سوق النفط العالمية.

في ظل بقاء أسعار النفط عند مستويات منخفضة (76.50 دولاراً للبرميل في المتوسط عام 2024)، أصبح النظام السعودي يعاني من عجز مالي مستمر، مما دفعه إلى تكثيف الاقتراض وبيع الأصول لتمويل هذا العجز. يمثل هذا التوجه عودة للسياسات المالية القديمة التي لطالما انتقدها النظام نفسه، والتي تتسم بالإنفاق المفرط عند ارتفاع أسعار النفط، ثم اللجوء إلى الديون عند انخفاضها.

هذا التحول، بحسب كبير الاقتصاديين في "بلومبيرغ" زياد داود، يحوّل السعودية من "مصدّر لرأس المال إلى باحث عن التمويل". هذه الفجوة المالية المتزايدة تعكس فشلاً استراتيجياً في تحقيق التوازن الاقتصادي، وتهدد بتآكل الثروة السيادية للمملكة على المدى الطويل.

تتزامن هذه الأزمة الاقتصادية مع تراجع أداء عملاق النفط السعودي، أرامكو. ففي أحدث تقاريرها، أعلنت الشركة عن تراجع أرباحها بنسبة 22% في الربع الثاني من العام، وهو التراجع العاشر على التوالي منذ تحقيقها أرباحاً قياسية في عام 2022.

لقد أثر انخفاض أسعار النفط بشكل مباشر على إيرادات الشركة، مما أدى إلى خسارة أرامكو أكثر من 800 مليار دولار من قيمتها السوقية منذ ذروتها في عام 2022. وهذا التدهور يكشف مدى هشاشة الاقتصاد السعودي الذي لا يزال مرتبطاً بشكل عضوي بأداء الشركة النفطية. ويأتي هذا التراجع في الوقت الذي يواصل فيه النظام السعودي بيع حصص إضافية من أرامكو لتمويل مشاريعه، مما يهدد السيادة الاقتصادية على أهم أصول الدولة.

على الرغم من العجز المالي المتزايد، تواصل "الحكومة السعودية" الإنفاق ببذخ على مشاريع ضخمة مثل مدينة "نيوم" وناطحة السحاب المكعبة في الرياض. هذا الإنفاق، الذي يُوصف بـ"الجنوني"، يستنزف ثروات البلاد ويزيد من عبء الديون على الأجيال القادمة. وقد تجاوزت النفقات المخطط لها العام الماضي، مما يؤكد أن سياسة "التقشف" المزعومة ليست أكثر من شعارات فارغة.

استغلت الرياض تصنيفها الائتماني الجيد لجمع ما يقارب 15 مليار دولار من الديون السيادية منذ بداية العام، في محاولة يائسة لتمويل عجزها. ورغم أن هذا الاقتراض قد يبدو ناجحاً على المدى القصير، إلا أنه يمثل تحولاً جذرياً في السياسة المالية، ويعرّض البلاد لمخاطر الديون الدولية.

إلى جانب ذلك، فرغم كل الجهود الترويجية، فشلت "السعودية" في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، حيث بلغت التدفقات 6 مليارات دولار فقط في الربع الأول من عام 2024، وهو رقم بعيد كل البعد عن الهدف السنوي البالغ 37 مليار دولار. هذا الفشل يعكس قلق المستثمرين من المشاريع الضخمة التي تفتقر إلى الجدوى الاقتصادية الواضحة، ومن البيئة السياسية غير المستقرة.

لم يقتصر الفشل على مستوى السياسات الكبرى، بل انعكس بشكل مباشر على الأسواق المالية المحلية. شهدت الأسواق السعودية أحد أسوأ الأداءات في العالم هذا العام، حيث انخفض مؤشر "تداول" العام بأكثر من 9%. وتثير الطروحات العامة الأولية الفاشلة تساؤلات حول قدرة النظام السعودي على إقناع المستثمرين الدوليين بجدوى خططه.

كل هذه المؤشرات، من تزايد الاعتماد على النفط، إلى تراجع أرباح أرامكو، وتراكم الديون، وفشل جذب الاستثمار، ترسم صورة قاتمة لمستقبل الاقتصاد السعودي تحت قيادة محمد بن سلمان. ويجدد اليقين بأن ما يُروَّج له كـ"رؤية" لا يعدو كونه وهماً ينهار، كاشفاً عن سياسات متهورة تستنزف ثروات الشعب وتضع البلاد على حافة الهاوية الاقتصادية، وتحولها من دولة غنية تتمتع بفوائض مالية إلى دولة مدينة تبحث عن التمويل.
 

آخر الاخبار