عاجل:
النظام السعودي يتبنى سياسة الأرض المحروقة ضد أهالي القطيف
ابتزاز وبلطجة 2026-02-26 10:47 604 0

النظام السعودي يتبنى سياسة الأرض المحروقة ضد أهالي القطيف

سنوات مضت على بدء عمليات التجريف في أحباء وسط القطيف عام 2021، دون أن يقدم النظام السعودي على حركة تشي بنيّة أو وجود مشروع لإعادة إعمار المنطقة، كما كان قد زعم النظام.

المباني، وسط القطيف، مدمرة كليّا أو جزئيا. آليات التجريف تأتي في أوقات متفرقة غير منتظمة، لتجريف بعض المباني جزئيا قبل ان تنسحب. هذا ما باتت عليه المنطقة. والأهالي ممنوعون من العودة إليها، بعد أن هجروا قصريا منها.

 

 

 

لطالما تبنى آل سعود سياسة الهدم والتهجير، حيث طالت العديد من مناطق القطيف والأحساء كما في مكة المكرمة وجدة وغيرها من المناطق، وكلّها بداعي التنمية.

 

 

 

ما لا يتم التطرق له، بعيدا عن حالة التشرد التي يمرّ بها المهجرون، وكلفة ذلك المادية، يتمثل بالانعكاسات النفسية والاجتماعية لحملات الهدم والتهجير الواسعة، وتعمّد النظام ترك مخلفات الهدم في مناطق واسعة من القطيف، في الشوارع والأحياء الفرعية.

 

 

 

يدرك النظام أن العين قد تعتاد المشهد لكنها لن تغفل يوما عن ذكريات المكان، وهو بذلك يخاطب اللاوعي بأمر التسليم بالواقع الملازم لألم الذكريات الدائم . النظام السعودي قادر على ازالة كل تلك المخلفات، لكن امتناعه عن ذلك هدفه الحفر عميقا في مشاعر الناس.

 

 

 

الأهداف السياسية والأمنية:

 

 

 

تشير الإجراءات المتبعة أن النظام السعودي يخطط لإخلاء القطيف بالكامل من السكان، وذلك على مراحل وبالتدريج، وتحويلها إلى منطقة صناعات نفطية مثلها مثل الظهران وأرامكو، وإذا بقي فيها سكن على الأطراف فيكون تابعا لعمال وموظفي هذه الشركات.

 

 

 

هنا، يبرز السؤال عن مصير أهالي هذه المنطقة، الذين سيتم تشتيتهم إلى المجهول ليتبعثروا بحثا عن مأوى. الأخطر من هذا هو الرهان على ذاكرة الأجيال المقبلة. وعلى الطريقة الإسرائيلية في فلسطين المحتلة، يراهن النظام السعودي على قاعدة “الآباء يموتون والأبناء ينسون”، فإذا بقي الجيل الأول مرتبطا بالمنطقة، فإن الرهان السعودي على الأجيال المقبلة أن تذوب في محيطها الجديد وتُمسح من ذاكرتها قضية وتاريخ القطيف.

 

 

 

هذا المخطط قديم، لكن اليوم مع وصول ابن سلمان إلى الحكم وفرض سيطرته على مفاصل النظام، يعتبر أنه صار بإمكانه الشروع في تنفيذه. ولأجل ذلك، يريد من خلال الإعدامات المتواصلة أن يكوّن عبرة لكل من يحاول رفض إخلاء منزله أو انتزاع أراضه ويقاوم الجرافات وهي تقتحم بيته وبلدته ومزرعته!

 

 

 

وفي أعقاب هدم مسوّرة العوامية، وما رافقها من هدم طال العديد من الأحياء الاخرى مثل كربلاء والمنيرة والمنصوري وغيرها، تم تهجير الآلاف من أبناء العوامية. وأيضا، وسرعان ما تابعت “بلدوزرات” بن سعود مسيرة الهدم والتجريف في اقصى الجنوب وسط سيهات وصولا إلى صفوى في أقصى الشمال، ومن الغرب في الأوجام إلى تاروت شرقا، حيث لم يبق قرية أو بلدة أو حي لم يطالها الهدم بعنوان التطوير وتوسعة الشوارع والطرق.

 

 

 

وتقول مصادر محلية، إن من خرج من تلك المناطق لم يرجع إليها حتى الآن لعدة أسباب، أبرزها عدم توافر أراض أو منازل معروضة للبيع، إذ لم يعد هناك مساحات قابلة للتعمير فضلا عن عدم قدرة المهجرين على تأمين كلفة المسكن البديل، فالذين هُدمت ملكياتهم لم يعد لديهم ملاذا يعودون إليه، وبالتالي سيضطر الأهالي إلى النزوح من المنطقة التي تم محاصرتها في السابق بين البحر ومحجوزات أرامكو، واليوم بخطط الهدم وذرائع التطوير، وهنا يكمن لبّ المشروع السعودي.

 

 

 

فالنظام يستهدف من وراء ذلك تشتيت الأهالي وبعثرة تجمعاتهم للقضاء على وجودهم كمجتمع وبيئة متجانسة متكاملة، ويقضي على روابطهم الاجتماعية، فاستهداف هذه البيئة واضح بدليل أن النظام لم يعمل على بناء مساكن بديلة لهم قبل الشروع بالهدم وتشتيت الأهالي ضمن مناطق وبيئات مجتمعية متناقضة.

 

 

 

وجه آخر للتهجير هو القضاء على أسباب الحياة وتغيير معالمها في القطيف المصنفة تاريخيا كواحة خضراء، فأعمال الحفر واستخراج النفط والغاز غيرت البيئة المحلية ودمرت خصوبة الأرض وقضت على البيئة البحرية وحواضن الأسماك، فالسلطة ممثلة في “أرامكو” لم تراعِ وجود مئات الينابيع والعيون التي تشتهر بها القطيف، ولم تحافظ على خزانات المياه الجوفية إلى أن جفّت جميعها ما أدى الى موت وتلاشي آلاف المزارع الموجودة في المنطقة بعد تحولها إلى مساحات قاحلة.

 

 

 

هذا ما يجعل خطة التهجير واضطرار الناس الى النزوح وتعمد خلخلة البنى الاجتماعية أهداف مفضوحة. يضاف كل ذلك إلى الهدف الأمني الذي يسعى النظام إلى تحقيقه في محاولة منه للسيطرة على الأحياء والمناطق التي كانت تشكل ملاذا أمنا للمواطنين المطاردين من قبل النظام السعودي، ومحاولة جعلها مناطق مكشوفة يسهل اقتحامها في أي حين.

 

 

 

تطويع التنوع:

 

 

 

لم تكن نجد الضائعة وسط الصحراء متجانسة أو منسجمة مع مناطق شبه الجزيرة العربية والحجاز، في تاريخها المعروف كله، لا في جاهليتها ولا في إسلامها، وكذا مملكة آل سعود بنسختها الأولى بعد نشوئها في القرن الثامن عشر وحتى نسختها الحالية لم تنجح في تحقيق الوحدة والتجانس والانسجام بين حاضنتها النجدية ومجتمعات شبه الجزيرة العربية والحجاز لا قبل قيام ما سمي الدولة الحديثة ولا بعدها.

 

 

 

وعكست السياسات السعودية صورة غير حقيقية عن واقع البلاد، تلك السياسات أرادت أن تقول بأنها نسيج عرقي واحد، ونسيج مذهبي واحد، فهي دولة “سلفية” كما قال وزير داخلية النظام السعودي السابق نايف بن عبد العزيز آل سعود، ذات تصريح.

 

 

 

هذه البقعة الجغرافية تحوي طيفاً واسعاً من المواطنين المختلفين مذهبياً ومناطقياً وقبلياً، جرى توحيده (بصرف النظر عن الأسلوب) في إطار سياسي واحد استكمل في يناير 1926 وأعلن عنه في 1932 تحت مسمّى “المملكة العربية السعودية”. أما الواقع التعددي فلم يتغيّر كثيراً منذ ذلك الحين، فخصائص المناطق التي تشكلت منها لاتزال باقية على حالها رغم محاولات حثيثة لاتزال قائمة في هذا الاتجاه من أجل إعادة تشكيل نسيجها الاجتماعي والثقافي بشكل يذيب تلك الخصائص في بوتقة دينية واحدة “الوهابية” ومناطقية واحدة “نجد” اللتان لعبتا الدور التوحيدي السياسي الأساسي فصنعتا الدولة السعودية الحديثة وطبعتاها بطابعهما.

 

 

 

الخارطة الدينية/المذهبية متوائمة مع الخارطة السياسية المناطقية. وبهذا الاعتبار يمكن النظر إلى مجتمع المملكة كـ”مجتمع أقليات” لا يحوز أي منها ما نسبته ثلث عدد السكان.

 

 

 

ما تقدّم يشكّل مدخلاً مناسباً لا بد منه لمحاولة فهم محاولات النظام السعودي المستمرة لتغيير الخارطة الديمغرافية للبلاد، وتشتيت المشهد الاجتماعي والمذهبي بالشكل الذي يمكّنه من السيطرة والقضاء على مكامن الخطر المحتمل على مشروعه المستقبلي القائم على تهيئة الأرضية لإدامة حكمه أطول فترة زمنية ممكنة.

 

 

 

من هنا، يعمل النظام السعودي على محو المكانة التاريخية والمعالم الأثرية للكثير من المناطق والنقاط الجغرافية في الجزيرة العربية في إطار سياسته الاستراتيجية الكبيرة لطمس هوية الجزيرة العربية وشعبها.

 

 

 

وفي سبيل ذلك، أقدم النظام السعودي على إزالة للعديد من المعالم والآثار الإسلامية والتاريخية في مختلف المناطق ومنها المعالم الإسلامية في مكة المكرمة والمدينة المنورة المرتبطة بتاريخ الرسول محمد (ص) وأهل بيته (ع) وصحابته (رض)، بالإضافة إلى عشرات الأحياء التاريخية في مدينة جدة ومعالم الأحساء ومسوّرات القطيف وغيرها.

 

 

 

وتأتي أعمال الهدم والتجريف التي يجريها النظام السعودي في المنطقة الشرقية، على سبيل المثال لا الحصر، بمثابة حلقة من سلسلة التضييق على سكان هذه المنطقة والانتقام منهم عبر استهدافهم وتهجيرهم قسرا بغية تغيير التركيبة السكانية. إضافة إلى محاولات طمس هوية هذه المنطقة ومعالمها وتاريخها وتشويهها، في إطار سياسات ممنهجة يعتمدها النظام وأجهزته الأمنية.

 

 

 

وفي السياق ذاته يمكن إدراج “التوجيه التنموي”، إنْ لجزيرة تاروت أو لغيرها من الأماكن المستهدفة، والذي لا يلامس حاجة الأهالي ولا يمت إلى هموهم الأساسية بأي صلة، بل هي مشاريع تهدف بالدرجة الأولى إلى تعميم الهوية النجدية، وتقويض التنوع الثقافي لمناطق الجزيرة العربية. ولا تنفصل استراتيجيات استهداف الهوية الأصلية لأبناء الجزيرة العربية وأرضهم وتراثهم ومعالمهم الأثرية، عن المخطط العام للنظام السعودي في التحول بالبلاد من الوهابية الدينية إلى “الوهابية الترفيهية”، في سياق الترويج لـ”القومية السعودية” الجديدة كمبادرة الغرض منها ابتكار ما يلصق الشباب بالملكية، من زاوية أن يكونوا سعوديين بدل أن يكونوا عرباً أو مسلمين.

 

آخر الاخبار