في خطوة تكشف عن تصاعد النزعة التوسعية للرياض وأبوظبي في منطقة القرن الإفريقي، كشفت مجلة الطاقة الدولية "أويل برايس" أن "السعودية" والإمارات تتحركان بدعم غربي لتوسيع نفوذهما في موانئ القرن الإفريقي المطلة على البحر الأحمر. هذا التمدد الجديد يأتي كمحاولة لموازنة ما وصفه التقرير بـ"السيطرة اليمنية المتنامية" على مضيق باب المندب والمياه الاستراتيجية المحيطة به.
وبحسب التقرير المنشور في 8 أغسطس الجاري تحت عنوان "حروب التجارة تعيد تشكيل ديناميكيات القوة في البحر الأحمر"، فإن الرياض وأبوظبي تقومان بتشييد موانئ وقواعد عسكرية ومطارات في دول تعاني من هشاشة السيادة مثل جيبوتي وإريتريا، عبر اتفاقيات لا تمر بالضرورة عبر القنوات الحكومية الشرعية في تلك البلدان. ويشير التقرير إلى أن هذه التحركات تهدف إلى "تثبيت نفوذ طويل الأمد" وليس إلى دعم تنمية محلية أو إقليمية.
السردية التي تعتمدها الرياض في تبرير هذا التوسع الإقليمي، وفق التقرير، تتمحور حول ما تسميه "الخطر الحوثي" في باب المندب. غير أن المراقبين يرون أن هذا الخطر بات ذريعة جاهزة لتبرير عسكرة الممرات البحرية الحيوية وتكريس النزعة السلطوية لنظام محمد بن سلمان، خصوصًا في ظل تراجع شرعيته داخليًا وتفاقم العزلة الدبلوماسية التي تحاول الرياض كسرها عبر التموضع العسكري الخارجي.
تسبق الإمارات السعودية بخطوات واضحة في هذا المضمار، حيث بدأت أبوظبي منذ سنوات ببناء قواعد بحرية في ميناء عصب الإريتري، وتدير فعليًا بعض الموانئ بطرق تتجاوز سلطة الدول المستضيفة. ويدخل التحرك السعودي ضمن سباق محموم للحاق بالإمارات في التمركز الجيوسياسي، مستخدمة أدوات مشابهة: المال، النفوذ السياسي، وتحالفات أمنية مدعومة من الغرب.
تكتسب منطقة البحر الأحمر أهمية استراتيجية استثنائية، إذ تمر عبره أكثر من 12٪ من التجارة العالمية، إضافة إلى كونه خطًا حيويًا لنقل النفط من الخليج إلى أوروبا. ومع تعاظم حضور حركة "أنصار الله" في جنوب البحر الأحمر، يبدو أن السعودية تسعى إلى إعادة ضبط ميزان القوة عبر فتح جبهة جديدة في القارة السمراء، دون اعتبار لتبعات ذلك على استقرار المنطقة أو على الشعوب المحلية.
يُحذّر مراقبون من أن هذا الانخراط الخليجي لا يختلف عن "الاستعمار بالوكالة"، حيث يجري عقد اتفاقات مشبوهة مع أنظمة ضعيفة أو هشة، في ظل تغييب تام لحقوق المجتمعات المحلية، ما قد يؤدي إلى تأجيج الأزمات السياسية والاقتصادية في بلدان مثل الصومال وإريتريا وجيبوتي. بل يُتّهم الطرفان – السعودية والإمارات – بتحويل بعض تلك المناطق إلى مراكز عمليات أمنية تنتهك السيادة الإقليمية.
التحرك السعودي الأخير في القرن الإفريقي لا يبدو أنه ينطلق من رؤية تنموية أو حتى دفاعية واضحة، بل يأتي كجزء من سياسة "الهروب إلى الأمام" التي ينتهجها ولي العهد محمد بن سلمان.
التحركات السعودية والإماراتية في القرن الإفريقي ليست استثناءً، بل امتداد واضح لنهج ممنهج تسلكه العاصمتان منذ سنوات للسيطرة على الموانئ والممرات البحرية في مناطق مختلفة من العالم، مستخدمتين أدوات مالية واقتصادية وأمنية لإعادة ترسيم النفوذ خارج حدودهما.
وقد كانت الإمارات كانت في هذا المضمار، من خلال شركة "موانئ دبي العالمية" التي سيطرت على مرافق حيوية في اليمن، والصومال، وأجزاء من شمال أفريقيا، وصولًا إلى سيريلانكا. السعودية، من جهتها، بدأت تسير على الخطى ذاتها عبر استثمارات موجهة لما يُسمى بـ"أمن سلاسل الإمداد"، في حين أن الهدف الحقيقي هو تأمين نفوذ سياسي وعسكري دائم في مناطق تعاني من هشاشة داخلية. هذا السلوك يُظهر كيف تتحول مشاريع "التنمية" إلى غطاء لتكريس الهيمنة، فيما تتضرر السيادة المحلية وتُهمّش مصالح الشعوب لصالح صفقات تعقد في غرف مغلقة.
تُتهم الإمارات بتهريب كميات ضخمة من الذهب من أفريقيا بطرق غير مشروعة، رغم أنها لا تملك أي مناجم معروفة، إلا أنها تُعد من أكبر مستوردي الذهب في العالم، حيث تستورد أكثر من ألف طن سنويًا، يأتي ثلثاها من القارة السمراء، وفقًا لتقرير نشرته صحيفة "تنزانيا تايمز". التقرير يشير إلى أن أبوظبي تعتمد على استغلال النزاعات المسلحة والصراعات المحلية في الدول الأفريقية لتأمين تدفق الذهب، مستخدمة شبكات من الميليشيات والمرتزقة، وأدوات ضغط اقتصادية وسياسية.
ويبرز دور "موانئ دبي" وشبكة من المصافي والتجار — أكثر من 20 مصفاة و7000 تاجر — كغطاء لتدوير الذهب المهرب، ما يثير تساؤلات حول غياب الرقابة الدولية.
في السودان، ارتبط تهريب الذهب بدعم إماراتي مباشر لقوات الدعم السريع، التي تواجه اتهامات بالإبادة الجماعية. وفي الكونغو الديمقراطية، يتم ذلك من خلال ميليشيات مثل "كوديكو" بدعم غير مباشر عبر رواندا. هذه الأنشطة تتم غالبًا بتواطؤ مع قادة أفارقة يسهلون عمليات التهريب مقابل صفقات استثمارية، بينما تواصل الإمارات تلميع صورتها عبر إعلامها كداعم لتنمية أفريقيا، في تجاهل متعمد لتورطها في استنزاف ثروات القارة وسط صمت دولي مريب.