حذّرت وكالة الطاقة الدولية، يوم الأربعاء، من أن الزيادة الكبيرة في إنتاج النفط العالمي، بقيادة "السعودية"، ستبدأ في الاصطدام بانخفاض متزايد في الطلب، خصوصًا في آسيا، خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من هذا العام.
الهيئة التي تتخذ من باريس مقرًا لها خفضت توقعاتها لنمو الطلب العالمي هذا العام إلى 680 ألف برميل يوميًا، أي أقل بمقدار الثلث مقارنة بتوقعاتها في يناير/كانون الثاني، وبأبطأ وتيرة منذ عام 2009 خارج فترة الركود التي شهدها العالم خلال جائحة كوفيد-19. وكانت هذه هي المرة السادسة على التوالي التي تقلص فيها الوكالة توقعاتها للطلب على النفط، مشيرة إلى أن حالة عدم اليقين الجيوسياسي ما زالت تثقل على السوق، مما يبطئ استهلاك النفط في الصين والهند والبرازيل، وجميعها تواجه تهديد فرض رسوم جمركية مرتفعة على تجارتها مع الولايات المتحدة.
وقالت الوكالة إنه بعد عامين من التوازن النسبي، أصبح المعروض يتجاوز بكثير حجم الطلب، مما يخلق احتمالية حدوث “فائض كبير في السوق”. ومع استمرار منظمة أوبك في زيادة إنتاجها، تتوقع الوكالة الآن أن ينمو المعروض بمقدار 2.5 مليون برميل يوميًا هذا العام، أي أكثر بحوالي 30% مقارنة بتوقعاتها في يناير.
تراجعت أسعار النفط هذا العام مع تسعير المستثمرين لزيادة إمدادات أوبك والأثر الاقتصادي لحرب الرئيس الأميركي دونالد ترامب التجارية. وسجل خام برنت يوم الأربعاء 65.17 دولارًا للبرميل، منخفضًا بأكثر من 12% في 2025.
وفي وقت سابق من العام، ذهب جزء كبير من الفائض إلى التخزين، حيث استحوذت الصين على أكثر من 90% من الزيادة في الربع الثاني. لكن اعتبارًا من الخريف، وبعد موسم صيف قوي عملت خلاله المصافي بمستويات قياسية لتلبية الطلب على الوقود، تتوقع الوكالة أن يستمر فائض يبلغ مليوني برميل يوميًا حتى وقت متقدم من عام 2026.
مع ذلك، حذّرت الوكالة من أن الفائض الكبير في المدى القصير قد يتغير إذا شددت الولايات المتحدة عقوباتها على روسيا وإيران، ثالث وخامس أكبر منتجي النفط في العالم.
وتتناقض توقعات الوكالة مجددًا مع أحدث التوقعات الشهرية لأوبك، التي صدرت يوم الثلاثاء. فقد رفعت أوبك توقعاتها للطلب هذا العام، بينما خفضت تقديراتها لنمو الإنتاج في الولايات المتحدة والمنتجين من خارج أوبك. وقالت المنظمة إن الطلب على النفط سينمو بمقدار 1.38 مليون برميل يوميًا في 2026، أي ما يقارب ضعف معدل النمو الذي تتوقعه وكالة الطاقة الدولية.
وقال باحثون في شركة إنرجي أسبكتس إن هناك الآن “اختلافًا كبيرًا” بين الوكالة وأوبك وإدارة معلومات الطاقة الأميركية بشأن كمية النفط التي دخلت المخزونات حتى الآن هذا العام. فإدارة معلومات الطاقة تعتقد أن أكثر من 300 مليون برميل أُضيفت إلى المخزونات في النصف الأول، بينما تقدر الوكالة الرقم عند 225 مليون برميل، وتعتقد أوبك أنه جرى سحب أكثر من 70 مليون برميل من المخزونات.
وأضاف الباحثون أنه إلى أن تتضح الصورة بشأن ما إذا كانت مخزونات النفط تتزايد بالفعل بشكل كبير، فإن السوق من غير المرجح أن تسعّر بالكامل توقعات الفائض في المعروض.
في سياق منفصل، تتعرض مشروعات مثل "نيوم" لضربات بسبب تجاوزات في الميزانية وتراجع أسعار النفط. حيث خفض صندوق الاستثمارات العامة، صندوق الثروة السيادي السعودي، قيمة استثماراته في مشروعات السعودية بمقدار 8 مليارات دولار، في ظل عرض جهود تحويل الاقتصاد المحلي لضغوط بسبب تجاوزات في الميزانية وتراجع أسعار النفط.
وذكّرت صحيفة "فايننشال تايمز" ببيان الصندوق والذي أكد فيه أن قيمة استثماراته في المشروعات داخل "السعودية" بلغت 56 مليار دولار (211 مليار ريال) بنهاية عام 2024، بانخفاض نسبته 12.4% عن العام السابق، أي ما يعادل خفضًا بقيمة 8 مليارات دولار. وذكر شخص مطلع أن “هناك انخفاضات في قيمة بعض المشروعات، تعود أساسًا إلى أوضاع الأسواق الاقتصادية العالمية، وتغيرات في الخطط التشغيلية، وزيادات في التكاليف المقررة”.
حيث نقلت الصحيفة عن "مسؤولين سعوديين قولهم إن السعودية تعيد تقييم مشاريعها، بالتوازي مع ضغط أسعار النفط المنخفضة على الانفاق الحكومي. وتخضع مشروعات نيوم للمراجعة، ويتوقع أن يتم تقليص أو تنفيذ الكثير منها على مراحل. وقد واجهت أجزاء من مشروع نيوم، البالغ قيمته 500 مليار دولار، تأخيرات وتحديات نتيجة حجمه وطموحه، إذ يتم بناؤه من الصفر في منطقة نائية على البحر الأحمر.
قالت آنا ناكفالوفايت، الزميلة الباحثة في جامعة أكسفورد والمتخصصة في صناديق الثروة السيادية، إن الاضطرابات الجيوسياسية والتحديات الهندسية ربما أثرت على تقييم الصندوق لمشروعاته العملاقة، مضيفة: “لا أعتقد أن الصندوق يشعر بقلق كبير، رغم أن المبلغ ضخم جدًا… لكن ستكون هناك بعض الخسائر قبل أن نصل إلى عام 2030”.