عاجل:
قفزة الإيجارات في السعودية... أسباب وتداعيات
اقتصاد 2025-07-22 09:54 1129 0

قفزة الإيجارات في السعودية... أسباب وتداعيات

تشهد السعودية قفزة تاريخية في أسعار إيجارات العقارات السكنية، مع استمرار غلائها لأكثر من عام، وهي الفترة الأطول منذ من مايو

تشهد السعودية قفزة تاريخية في أسعار إيجارات العقارات السكنية، مع استمرار غلائها لأكثر من عام، وهي الفترة الأطول منذ من مايو/أيار 2022، ما سلط الضوء على تأثير ذلك على العمالة الوافدة المقيمة، وكلفة المعيشة، والبدائل الاقتصادية المتاحة لها، والأثر الاقتصادي العام لاستمرار الزيادة بهذا المنوال. وحسب تقارير لشركات استشارات عقارية عالمية، منهاJLL وCBRE وKnight Frank، فقد شهدت السعودية خلال عام 2024 وحتّى الربع الأول من 2025 ارتفاعات متواصلة في الأسعار والإيجارات العقارية السكنية والتجارية بنسبة تصل إلى 10% في الرياض بالربع الثالث من 2024، وفي جدة بنسبة 8%. ويُظهر مؤشر "ستيفان تاجيك" للاستشارات ارتفاع العوائد الإيجارية بأكثر من 8.8% في الرياض وحوالى 7.9% في جدة خلال الفترة ذاتها.

ويأتي هذا الارتفاع في ظل تزايد الطلب على الإيجارات بسبب ارتفاع أسعار الفائدة التي أثرت سلباً على تملّك المنازل الجديدة، ما دفع مزيداً من السكان إلى الاعتماد على الإيجار بدلاً من التملك، وهذه الزيادة الحادة أثرت على العمالة الأجنبية المقيمة في السعودية، التي تشكل شريحة واسعة من المستأجرين، حسب وسائل إعلام سعودية. ووفق سماسرة عقارات فقد اضطر آلاف من العمالة الوافدة إلى البحث عن مساكن في ضواحي المدن أو في مناطق أقل تكلفة، بعد ارتفاع الإيجارات في أحياء الرياض وجدة والمدن الكبرى، خاصّة أن ارتفاع تكاليف الإيجار جاء مع نقص المعروض السكني مقارنة بالطلب المتزايد، ما ساهم في تأجيج موجة ارتفاع الأسعار. وإزاء ذلك فإنّ البدائل المتاحة أمام ملايين الوافدين في السعودية أصبحت محصورة في اللجوء إلى الشقق الصغيرة أو الانتقال إلى الضواحي حيث تكاليف السكن أقل.

في هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي محمد الناير، لـ"العربي الجديد"، إلى أن سوق الإيجارات في السعودية شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في الأسعار خلال السنوات الماضية نتيجة مجموعة من العوامل المرتبطة بسياسات الرسوم التي فرضت على المقيمين وأسرهم، والتي أثقلت كاهل العاملين في المملكة من مختلف الجنسيات، ما دفع كثيراً منهم إلى المغادرة.

وكان لهذا التطور تأثير مباشر على سوق العقارات والإيجارات، حسب ما يرى الناير، إذ نتج عنه حالة من الوفرة الكبيرة في المعروض من الوحدات السكنية، في وقت تراجع فيه الطلب على نحوٍ ملحوظ، ما أدى إلى ترك العديد من الوحدات بدون مستأجرين، ما ساهم في خلق توازن سلبي في السوق.

لكن القرارات الأخيرة التي اتخذتها المملكة في مجال تسهيل الإجراءات الخاصة بالدخول والإقامة، خاصّة في ما يتعلق بتمديد الزيارات وتسهيل دخول أفراد الأسرة، ساعدت على عودة تدريجية لعدد كبير من أسر المغتربين، ما عزز من الطلب على الإيجارات مرة أخرى، حسب الناير، وبالتالي عادت سوق الإيجارات إلى سابق عهدها.

ومن بين العوامل التي ساهمت في هذا الارتفاع، الظروف الاستثنائية التي تشهدها بعض الدول في المنطقة، مثل الحرب في السودان، التي دفعت عدداً كبيراً من المواطنين السودانيين إلى اللجوء للسعودية، ما زاد من عدد السكان المؤقتين، وبالتالي زاد من الحاجة إلى السكن المؤقت أو طويل الأمد. وعلى ضوء هذه التطورات، بدأت سوق الإيجارات تستعيد بعضاً من عافيتها، وارتفع الطلب على الوحدات السكنية، ما دفع إلى ارتفاع تدريجي في أسعار الإيجارات، التي بدأت تعود إلى مستوياتها السابقة أو تقترب منها، حسب تقدير الناير، معتبراً أن الحديث عن ارتفاع معدل الإيجارات في السوق السعودية ليس مبالغاً فيه، بل يمثل نتيجة طبيعية لعودة أعداد كبيرة من المقيمين وأفراد أسرهم. ويخلص الناير إلى أن مؤشر سوق الإيجارات السعودية يعد إيجابياً، ومؤشراً على تعافي سوق العقارات واستجابتها للتغيرات للاقتصادية والاجتماعية المحيطة بها.

التضخم والاستدامة

يؤكد الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة، لـ"العربي الجديد"، أن ارتفاع الإيجار اليومي في السعودية يؤثر مباشرةً على العمالة المقيمة وقدرتها الشرائية، وهو تأثير يمتد ليشمل جوانب اقتصادية أوسع، بما في ذلك حركة التضخم وسلوك الاستهلاك والاستدامة المالية. فعندما ترتفع أسعار الإيجار، سواء بالنسبة للمقيمين أو المواطنين، فإنّ القدرة الشرائية تقل تلقائياً، وهو أمر طبيعي في حالات ارتفاع تكاليف المعيشة دون موازنة بزيادة الدخل، وهذا الانخفاض في القدرة الشرائية ينعكس مباشرة على العمالة الوافدة، التي تشكل شريحة كبيرة من مستأجري الوحدات السكنية، إذ تقل قدرتها على الادّخار أو إرسال الأموال إلى أهلها في بلدانهم الأصلية، ما يقلل من التحويلات المالية الخارجة من الاقتصاد السعودي، حسب ما يرى عجاقة.

ويضيف الخبير الاقتصادي أن النسبة المرصودة لارتفاع أسعار الإيجار بالمملكة تعد مؤشراً على تآكل القدرة الشرائية للمقيمين، وبالتالي تراجع الإنفاق الاستهلاكي، سواء على المستويات الشخصية داخل المملكة أو على صعيد التحويلات المالية الخارجية. وعن البديل المتاح أمام العمالة المقيمة، يرى عجاقة أن المقيمين لا يملكون خيارات كثيرة، فطالما أنهم يفضلون البقاء في المملكة لفرص العمل المتاحة مقارنة بما قد يجدونه في بلدانهم الأصلية أو في أسواق عمل أخرى، فإنهم يقبلون بالوضع القائم وإن كان بثمن اقتصادي واجتماعي، لافتاً إلى أن العديد من العمال يلجؤون إلى حلول غير تقليدية مثل تأجير الشقق مع مجموعة من الأشخاص، للحد من العبء المالي.

لكنّ الأثر الأهم لارتفاع الإيجارات يظهر على المستوى الاقتصادي الكلي حسب عجاقة، إذ يُسهم ارتفاع الإيجارات في دفع مؤشر التضخم نحو الأعلى، ما يشكل تحدياً حقيقياً أمام استقرار الاقتصاد الكلي، مشيراً إلى أن مؤشر التضخم في السعودية سجل ارتفاعاً بلغ 2.3% في يونيو/حزيران الماضي. ويحذر عجاقة من استمرار هذا الارتفاع على نحوٍ غير مضبوط، مشدّداً على أن ارتفاع نسبة التضخم فوق 5% يُعد خطراً حقيقياً على الاقتصاد، خاصّة في الدول الناشئة، إذ يبدأ في "الأكل" من النمو الاقتصادي، ويُضعف الناتج المحلي الإجمالي، وهنا تبدأ الحكومات في اتّخاذ إجراءات تصحيحية لاحتواء الوضع، سواء عبر ضبط السياسة النقدية أو التدخل في سوق الإسكان لزيادة المعروض من الوحدات السكنية وتخفيف الضغط على الأسعار.

ويخلص عجاقة إلى أنّ الارتفاع المستمر في الإيجارات ليس مجرد مسألة اجتماعية فردية، بل يمثل قضية اقتصادية عامة تتطلب تدخلاً مخططاً له من الحكومة السعودية، لضمان استقرار الأسعار وحماية القدرة الشرائية للمقيمين والمواطنين على حد سواء، ما يساهم في الحفاظ على التوازن الاقتصادي العام ودعم النمو المستدام.
 

آخر الاخبار