بعد تصريحات رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، التلفزيونية حول رؤيته لـ«إسرائيل الكبرى»، وما انطوت عليه من تهديد واضح لسيادات البلدان العربية في المشرق، خرج وزير ماليته بتسلئيل سموتريتش بمشروع لبناء أكثر من 3400 وحدة استيطانية جديدة ضمن مشروع توسيع مستوطنة «معاليه أدوميم»، وربطها بمدينة القدس المحتلة، وهو المشروع الذي ينهي رسميا فكرة الدولة الفلسطينية عبر فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها وعزلها كليا عن مدينة القدس، وقبلها بيوم أفادت قناة 12 العبرية، أن إسرائيل تجري محادثات مع خمس دول، هي إندونيسيا، وأرض الصومال، وأوغندا، وجنوب السودان، وليبيا، بشأن إمكانية إعادة توطين فلسطينيين من قطاع غزة.
قدّم سموتريتش، عام 2016، وكان وقتها عضوا في الكنيست، شرحا استعراضيا لفكرة نتنياهو بالقول، في مقابلة تلفزيونية هو أيضا، إن «حدود إسرائيل يجب أن تمتد لتشمل دمشق، إضافة إلى أراضي 6 دول عربية هي سوريا ولبنان والأردن والعراق وجزء من مصر ومن السعودية، لتحقيق الحلم الصهيوني من النيل حتى الفرات»!
ما نقل المسألة من حالة الهذيان التوراتي، على طريقة نتنياهو، والجنون الأيديولوجيّ النازيّ، على طريقة سموتريتش، هو الإحساس الهائل بالقوة الإسرائيلية الفائضة، التي راكمها، أولا، استمرار الإبادة الجماعية الجارية لفلسطينيي غزة، بتغطية أمريكية وغربية، ومن دون وجود رادع، حتى الآن، وبالترافق، ثانيا، مع تداعيات الحرب مع «حزب الله» في لبنان، الذي أدى لانكفائه وتدهور قوته العسكرية والسياسية، واحتلال نقاط في لبنان واستمرار الغارات عليه، وبالتزامن، ثالثا، مع نتائج الهجوم المشترك الأمريكي ـ الإسرائيلي على إيران، الذي أدى لضرب مفاعلات طهران النووية، وقدراتها الدفاعية الجوية.
تنفلت هذه القوة الإسرائيلية الفائضة، في كل الاتجاهات، وفي اندفاعها لتشغيل هذه القوة الفائضة و«نشوة الانتصارات»، وحصانة الإجرام الوالغ في دماء عشرات الآلاف من الفلسطينيين، تفتّش عن طرق أوسع وأكثر جنونا لتغيير الوقائع على الأرض، في غزة، كما في الضفة الغربية، وفي لبنان، كما في سوريا، وفي اليمن كما إيران، فتصّعد في تهديداتها لحدود وجغرافيات وسيادات الدول العربية.
تعمل هذه القوة الفائضة، بقوة اندفاعها الذاتي، إلى توسيع النزاع داخل أراضي فلسطين التاريخية نفسها مهجوسة باستكمال ما حصل في عام 1948 من تهجير لمئات آلاف الفلسطينيين، وتتوغل في أراضي البلدان المجاورة في تلفيق تاريخيّ بين التوراة والصهيونية، فتتحول إلى «كائن» هائج غاضب كاسر لا يهدد الإقليم فحسب، بل منظومات القوانين والشرع الأممية والدولية.
لقد أدى التفوّق العسكريّ الإسرائيلي ـ الأمريكيّ الكاسح إلى ضغط كبير على المنظومة الدولية، ممثلة بالأمم المتحدة، وساهم هذا الاختلال الدولي الكبير بتغيّرات مهمة، وإن كانت متأخرة كثيرا، في مواقف بلدان غربية رئيسية تجاه «الدولة الفلسطينية» وتوصيف ما يجري في غزة؛ وأمام ضعف تأثير قمم المنظومتين العربية والإسلامية في الموضوع الفلسطيني، شهدنا تحرّكا مهما من قبل فرنسا والسعودية، تمثّل بمؤتمر حل الدولتين في نيويورك في الشهر الماضي، وكذلك تحرّكات مهمة أخرى دولية، تمثّلت بقمة دول «البريكس» في البرازيل الشهر الماضي.
البشرية، من جديد، في سباق بين أساليب هذه القوة الفائضة المتوحشة، المسكونة بهواجس الإبادة والتطهير العرقي، وأساليب القوانين والشرع الأممية والدولية والدبلوماسية. صراع بين القوة والسياسة لن يحدد مصير الفلسطينيين فحسب، بل سيحدد مصير العالم.