تتوالى الحقائق الصادمة حول مشروع نيوم، الذي كان يُفترض أن يكون جوهرة تاج رؤية "السعودية" 2030. تقرير حديث مفصّل نشرته صحيفة "ذا تلغراف" البريطانية تناولت هذا الوهم الذي خُصّص له حملة دعائية ضخمة. فما بدأ كحلم طموح أعلنه محمد بن سلمان في عام 2017، تحوّل اليوم، كما تكشف الصحيفة، إلى مثال صارخ على التبديد المالي وانتهاكات حقوق الإنسان، وهو ما يؤكد أنكم المشاريع الضخمة التي تفتقر إلى التخطيط السليم لا يمكن أن تُبنى على أسس من القمع والوعود الكاذبة.
في بداية المشروع، تم تسويق نيوم كمدينة مستقبلية مثالية (يوتوبيا)، تقع في صحراء منطقة تبوك على ساحل البحر الأحمر، وتستهدف أن تكون رائدة عالميًا في مجالات الذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، والتخطيط الحضري المستدام. كان من المقرر، بحسب "ذا تلغراف"، أن يُنفَّذ المشروع، الذي يشمل مساحة 26,500 كيلومتر مربع، باستثمار قدره 500 مليار دولار أمريكي، وبسرعة فائقة. كانت الوعود تشمل إقامة اثنتي عشرة وجهة سياحية فاخرة، من بينها "تروجينا"، أول وجهة للتزلج في المنطقة، ومدينة "أوكساجون" التي تُفترض أن تكون أكبر مبنى عائم في العالم، وأكثرها طموحًا مدينة "ذا لاين" المستقبلية التي يبلغ طولها 170 كيلومترًا.
تضخم هائل في التكاليف وتأجيل لسنوات طويلة:
بعد مرور ثماني سنوات، انهارت هذه الوعود تباعًا. فتقرير "ذا تلغراف" يكشف، مستندًا إلى مراجعة داخلية نشرتها صحيفة "وول ستريت جورنال"، أن التكاليف المقدرة للمشروع تضخمت بشكل كارثي لتصل إلى ما يقارب 9 تريليونات دولار أمريكي. هذا المبلغ الهائل يعادل 25 ضعف الميزانية السنوية لـ"السعودية"، مما يجعله استنزافًا غير مسبوق للموارد الوطنية. وفي ظل هذا الواقع المالي المروع، لم يعد من الممكن الحديث عن إنجاز المشروع في الموعد المحدد، حيث تم تأجيل موعد الانتهاء خمسة عقود ليصبح عام 2080. وحتى اليوم، لم يُفتتح من بين جميع الوجهات المخطط لها سوى منتجع جزيرة سندالة، وهو لا يزال قيد الإنشاء ومتأخرًا بسنوات عن الموعد الأصلي.
التكلفة البشرية: تهجير وقمع ووفيات بالآلاف:
يؤكد تقرير "ذا تلغراف" أن الكارثة لم تكن مالية فقط، بل كانت إنسانية بالدرجة الأولى. ففي محاولة يائسة لتحويل طموحات ولي العهد إلى واقع، تكبد المشروع خسائر بشرية فادحة. قبل أشهر قليلة من إطلاق نيوم، ادعت الحكومة ملكية كامل مساحة الأرض في تبوك، مما أدى إلى سنوات من احتجاجات أبناء قبيلة الحويطات الأصيلة الذين سكنوا هذه الأراضي لقرون. في عام 2020، بدأت عملية إخلاء قسري لحوالي 20 ألف حويتي، ووفقًا لمنظمة القسط لحقوق الإنسان، فإن من قاوموا هذا التهجير تعرضوا للقمع الشديد، حيثتم إعدامهم رميًا بالرصاص أو سجنهم بأحكام تصل إلى 50 عامًا أو حتى الإعدام.
كما يسلط التقرير الضوء على الظروف المروعة التي يعيشها العمال المهاجرون، الذين تم استقدامهم من دول مثل الهند وبنغلاديش ونيبال لتنفيذ المشروع. هؤلاء العمال، الذين يشكلون جزءًا كبيرًا من القوة العاملة في "السعودية" (13 مليون عامل)، غالبًا ما يصلون في ظروف تشبه العبودية في ظل نظام الكفالة، الذي يمنح أصحاب العمل سيطرة شبه كاملة على حياتهم. ووفقًا لفيلم وثائقي استقصائي بثته شبكة ITV البريطانية، أدت هذه الظروف إلى وفاة ما لا يقل عن 21 ألف عامل مهاجر، وهو ما يؤكد أن الانتهاكات الحقوقية في البلاد لا تزال متفشية رغم محاولات إصلاح النظام.
ذا لاين: من مدينة مستقبلية إلى "مدينة جنونية:
يخصص تقرير "ذا تلغراف" جزءًا كبيرًا للانتقادات الموجهة إلى "ذا لاين"، التي وُصفت بأنها "جوهرة تاج" رؤية 2030. يُفترض أن تكون المدينة ذكية وتعمل بالكامل بالطاقة المتجددة، لكن الخبراء يرون أنها مدينة بلا جدوى هندسية. ويستشهد التقرير برأي الباحث رافائيل بريتو-كورييل من فيينا، الذي يصفها بأنها "مدينة جنونية" و "موقعها سيئ، لا ماء فيها، والحرارة مرتفعة". ويشير إلى أن تشغيل القطارات على مسافة 170 كيلومترًا سيتطلب توقفات كثيرة تمنعها من الوصول إلى السرعات العالية الموعودة، وأن أي خلل بسيط في محطة واحدة يمكن أن يعطل حركة النقل في المدينة بأكملها. يقر برييتو-كورييل بأن فكرة المدينة الخالية من السيارات هي نقطة مضيئة، لكنه يؤكد أن هذا لا يبرر الأفكار السيئة التي تضافرت لإنشائها.
في خضم الحديث عن مشاريع مدن مستقبلية حقيقية في أماكن أخرى من العالم، مثل مدينة الغابة الذكية في المكسيك أو "ذا أوربت" في كندا، يرى تقرير "ذا تلغراف" أن مشروع نيوم يظل حالة خاصة. فبدلاً من أن يكون مثالاً للاستدامة والتخطيط الجيد، أصبح رمزًا للطموحات المتضخمة، والقرارات غير المدروسة، والاستهانة بحياة وكرامة الإنسان. وبناءً على ما كشفته الصحيفة البريطانية، من الصعب تصديق أن مدينة المستقبل ستنبثق من عقول من يقفون وراء مشروع نيوم، الذي يواصل استنزاف ثروات "السعودية" وتحويل أحلام مواطنيها إلى كابوس لا ينتهي.