موسى السادة
أنتجت الطبيعة المشوّهة للنظام السابق، منذ بداية الألفية، حالة فريدة، جعلت التاريخ السوري يتحرّك بشكل بطيء. تاريخياً، مثّلت سوريا نموذجاً لمشروع الدولة العربية التي اصطلح عليها لفظ «التقدّمية»، أي دولة ببرامج وشعارات ذات طابع قومي واشتراكي، وطموحات ثقافية وسياسية واقتصادية. جعل ذلك من دمشق ثقلاً عربياً منتجاً من المعامل الصناعية إلى الإنتاج الثقافي، ولعل أقرب ظواهره وأسطعها شعبية الإنتاج الفني والسينمائي.
إلا أن عوامل كثيرة، من المواقف السياسية إلى العقوبات وصولاً إلى أبرزها وهو تكلّس النظام والدولة وفساده، أدخلتها حالة فريدة، فلا هي جزء كامل من طبيعة النظام الاقتصادي الليبرالي العربي المتصل بالضرورة بدائرة حركة رؤوس أموال الموارد النفطية، ولا هي أيضاً بالمجسّد لنموذج بديل. فأمست «التقدّمية» شعارات وجزءاً من مشروعية الحكم لا مشروعاً.
كان ما سمّي «ربيع دمشق» و«الإصلاحات» (اقرأ: تحرير الاقتصاد) بداية الألفية محاولة النظام للقيام بتغيير وإعادة إنعاش للدولة ومؤسساتها، وذلك عبر إصلاحات حاولت الإبقاء والتوفيق بين الإرث الاشتراكي الخطابي للحزب الحاكم وأدبياته والانفتاح الليبرالي. وللمفارقة، كانت تلك مدة شهر عسل قطري-سوري من حيث الاستثمارات القطرية في القطاعات العقارية والمصرفية (وهنا كان جذر الشخصنة في العداء بين آل ثاني مع آل الأسد والذي كان مؤثراً في طبيعة حرب الـ14 عاماً، حقد دفع ثمنه الملايين من البشر). أفضى هذا التوفيق المشوّه إلى حالة مسخ اقتصادية واجتماعية، فلا كان النظام يعمل على تحصين من العولمة، ولا كان فاتحاً الأبواب لها، ويعيش بالمعنى السياسي في مواقفه وخياراته في المساحة بينهما، وفي حالة قلق من التخلّي عن الشعارات الحزبية التقليدية التي أمست ملتحمة في بنية الدولة وقلق سؤال بديلها.
تكمن الفكرة في أن هذا النموذج المسخ وهذا التكلّس جعلا تاريخ سوريا بطيئاً وهو يعمل في الالتحاق بما يحدث خارجه من متغيرات في النظام العربي الرسمي والعالم من حوله. أُضيفَ إلى هذا المسخ عاملٌ يتشارك فيه البعثان العربيان، وهو أنه مع ترهّلهما الأيديولوجي يفتحان الباب إلى الدين كشرعية بديلة، من الحملات الإيمانية في العراق إلى القبيسيات ووزارة الأوقاف السورية ودورها. كان ذلك عبر الاستثمار في الشرعية الأيديولوجية الجاهزة والرائجة عربياً المذخّرة برافعة أموال الموارد النفطية، ألا وهي السلفية السنّية، وخصوصاً بعد غزو العراق حيث استثمر النظام في الخطاب السلفي السعودي وفتح له المنابر. تكمن هنا عبرة تاريخية لأي حركة اجتماعية في أنه وما إن يعتريها الكسل في التنظيم المؤسساتي والتربية الأيديولوجية إلا وتتسلّل إلى الجمهور روافد أخرى. وفي تجربة الدولة العربية، دائماً ما كانت في أولها تستثمر في الريف والإصلاحات الزراعية وخزانه البشري، ولكنها تؤول في الأخير إلى استثنائه وإهماله، حيث تتعاقد مع تيارات دينية ليشغل حيز غيابها.
من هذه الخلفية، لا يكون تشكيل الجولاني آخر عناقيد «الهوية السلفية السنّية» المحتضنة سعودياً مصادفة تاريخية. فما رحلته المتسارعة من «الجولاني» آخر عنقود كروم «الهوية السلفية السنّية» إلى «الشرع» الذي يصرّح بحب صادق لـ«رؤية 2030»، سوى تسارع في التاريخ السوري ووصول متأخر. فالمسألة هي كبسولة انعكاس سوري للزمن السعودي وتغيراته من الثمانينيات حتى اليوم، جرت أوضح معالمها خلال ستة أشهر.
من هنا أيضاً، نفهم الإجابة عن سؤال التفضيل الذي أثار دهشة الكثيرين وحنق آخرين، حول هرولة الشرع إلى السعودية وإعطائها أولوية في تقسيمة الأدوار، من أول مقابلة مع قناة «العربية» إلى أول زيارة وتصدر للمشهد. أولوية جعلت المستثمرين ذوي الأسهم الأكبر في سوريا، قطر وتركيا، على هامشها. إلا أنّ الشرع كان بارعاً في الموازنة وتوزيع الحصص والأدوار بما لا ينفر الأخيرين رغم وضوح الأولوية والأبوية السعودية. فرغم صلح الأخيرة مع النظام السابق، إلا أن الأمر أشبه بقول هارون الرشيد «امطري حيث شئتِ فسيأتيني خراجك»؛ فأين ما ذهبت السلفية السنّية عاد خراجها في الأخير للسعودية.
إنّ ما شهدناه منذ كانون الأول الماضي هو صيرورة تحوّل الجولاني واستغلاله لآخر قطرات الخزان التاريخي للاستثمار السعودي في السلفية السنّية، والتي بقيت ولم تجف في الأرياف السورية. حيث تمخض الفيل السعودي لمشروع «السلفية السنّية» الممتد لأربعة عقود فأنجب الجولاني، ما جعله نجم «الصحوة» في زمن أفولها، متخذها سلّماً سريعاً لتحصيل جماهيرية عالية، ثم من قمّة سلّم هذه النجومية يحولها ويصرفها للعملة السعودية الجديدة، أي اللبرلة، ليتحول من سفير «الصحوة» إلى سفير «الرؤية».
المقاومة ضد الاستعمار هي بالتعريف مشروع صناعة أمّة، ولكي تولد الأمّة فعلى الطائفة أن تموت
إن المسألة هنا أكبر من مسألة أن الحركات الإسلامية العربية بلا مشروع سياسي وتحديداً اقتصادي وبالتالي وما إن تصل إلى السلطة تتبنى الانفتاح الاقتصادي والخطاب النيوليبرالي السائد، لأنها تفتقر إلى التنظير في هذين الحقلين، بل هي في هذه الحالة على علاقة طرفية بالمركز في السعودية. فإلى ما قبل 2017 كانت الممارسة السياسية السعودية قائمة على الاستثمار في تشييد «الهوية السلفية السنّية» وتمثيلها. بمعنى أن تاريخ الحركات التي تتمحور حول الهوية السنّية المسيسة هو تاريخ سعودي، وممول بأموالها وببناء أيديولوجي يذيعه دعاتها وشيوخها، ما أعطى المملكة مكانة الأب الروحي لها.
وهنا يجب التفصيل، لأن أي حديث عن هويات طائفية حديث شائك. لا تمثّل السعودية تاريخ أهل السنة والجماعة والأفكار الإسلامية العربية وإرثها وتنظيرها منذ بدايات القرن العشرين، إلا أن السعودية حتماً الراعي بل المنتج للهوية الطائفية المسيّسة السنّية، كما حالة إيران مع الهوية السياسية الشيعية.
حتى نفهم المقصود بالهوية السنّية المسيّسة، لننظر -مع تحمّل تفاهته- إلى العالم من عيون الهويات الطائفية وذلك من بوابة مصطلحاتها: لا مشروع للسنّة العرب، السنّة أمّة وليسوا طائفة، أكثرية وأقليات، المقاومة للشيعة والاعتدال للسنّة العرب… إلخ. وحتى نفهم كارثية هذا العالم وسفاهته فهو ذاته عالم الصهيونية وطريقة سرد المسؤولين الإسرائيليين وتظهيرهم للمنطقة العربية: «المحور السنّي» و«المحور الشيعي» سردية من التهافت كتهافت الصهيونية اليهودية ذاتها. بل وكما يشير بشار اللقيس، فإن الصهيونية اليوم في أبعد حالاتها عن غشاء الحداثة والقومية وفي أقربها للجماعة الهوياتية الطائفية في نظرتها إلى نفسها وإلى المنطقة والعالم.
نلاحظ هنا أن تاريخ المقاومة العربية، من عبد الكريم الخطابي وعبد القادر الجزائري وعمر المختار وعز الدين القسام وأحمد ياسين، وجلّ العمود الأساسي لتاريخ التحرّر العربي، وصولاً إلى أكبر حركات المقاومة العربية شعبية وعالمية اليوم، وبشكل غير مسبوق في تاريخ العرب والمسلمين، أي حركة حماس، هي حركات ورموز تنتمي إلى فقه أهل السنّة والجماعة، إلا أنها مستثناة من التاريخ «السنّي» ولا تُعتبر «سنّية».
بطبيعة الحال، يعود ذلك إلى أنها ليست كذلك، فلا صلة مادية لها بمشاريع مال الموارد النفطية وإن كان له تأثير على حواضنها. إن المقاومة ضد الاستعمار ليست هوية طائفية ولا يمكن أن تكون. ويعود ذلك إلى أن الانتماء إلى هوية طائفية أمر مختلف عن الانتماء إلى إحدى المدارس الفقهية الإسلامية أو تبنّي سردية تاريخية ما. وأيضاً، لأن الهوية الطائفية هي نسبة لعلاقة مع طوائف أخرى، أمّا علاقة المقاومين مع مكوّنات الأمّة، فمتساوية، ولو ميّز المقاومون علاقتهم مع هوية طائفية عن أخرى، فسيندرجون في تصنيفات «التشيّع» أو «التسنّن».
يضاف إلى ذلك، أن الهوية الطائفية تقاتل نظيرها الهوياتي، فلا تقاتل هوية عربية طائفية ضد إسرائيل، فشرط قتال الاستعمار الذي يعمل على تفتيت الشعوب ونسيجها الاجتماعي، هو استنفار هوية ذات بعد وطني وأممي عربي-إسلامي، كما في النموذج التاريخي لحركات المقاومة العربية، لا في استنفار قبيلة طائفية (رأينا قصور محاولة استنفار «التشيّع»).
وعليه، لا يجرح عدوان إسرائيل لا التسنّن ولا التشيّع ولا الدرزية وغيرها، ولكن تلك الهويات تجرح بعضها، أمّا ما يجرحه العدو الصهيوني ويذلّه، فهو عروبتك، وعبرها انتماؤك الحضاري إلى التاريخ العربي-الإسلامي، وهذه قيم لا تفهمها الطوائف. ولا يفهمها حتماً منطق الموارد النفطية العربية المرتبطة عضوياً مع المصالح الاستعمارية. وعليه، تكون المقاومة ضد الاستعمار هي بالتعريف مشروع صناعة أمّة، ولكي تولد الأمّة فعلى الطائفة أن تموت.
إنّ عملية استيلاد الأمّة هذا على نقيض مباشر مع عملية تأمين السعودية لهويتها وحكمها، وما كان مشروع الهوية السلفية السنّية سوى أداة غرضها ذلك التأمين. وهو ما يتكرّر اليوم في الاستثمار الجديد في ثقافة العولمة والترفيه والاستهلاك كأداة للقوة الناعمة صاخبة. إلا أن ما تفتقر إليه المملكة هو الفعالية السابقة لأدوات ممارستها السياسية العابرة لحدودها.
فبعد أن كانت تعتمد سابقاً على الخطاب والحركات السلفية العنيفة وغير العنيفة، والإنفاق السخي عبر الهبات والاستثمارات لشراء الولاء السياسي، باتت اليوم تعاني من تراجع في السيولة نتيجة التزاماتها الداخلية الضخمة. لم تعد قادرة على تمويل شبكات نفوذ اجتماعية أو عمرانية في الخارج كما في السابق، ويزيد من تعقيد الموقف تصاعد النزعة الوطنية السعودية وخطاب «السعودية أولاً»، ما جعل دعم الخارج يبدو عبئاً لا مردود له. وعليه، إن قدرتها على ممارسة النفوذ والقوة الناعمة رغم صخبها العالي من ناحية الصورة باتت محدودة ومختلفة عن السابق.
وما ينعكس على ديناميات رحلة الجولاني\الشرع، والتي تثبت من جديد وفي حضرة الإبادة، المآل السياسي للتيارات الإسلامية المرعية بالموارد النفطية، والتي انتظر منها البعض مساراً مقاوماً حتى رآها تتخذ من أشلاء الإبادة سلّماً إلى أميركا. والآخر، عيّرها بمذهبها ليسهم في التصوّرات الطائفية المقيتة، وهو يعلم أنه ينظر إلى أحد تمظهرات موارد النفط لا إلى انتماء مذهبي عربي.
ففي المشهد النهائي السوري يواجه الشرع ضريبة بطء التاريخ السوري في علاقة مختلفة مع السعودية. وإن كان ذلك ليس سيئاً إلى تلك الدرجة بالنسبة إليه، فبدل التمدّد العلوي لأموال النفط عبر المنح، ستصبح سوريا مسرحاً للتمدّد الأفقي للاستثمارات الخليجية وشركاتها، والتي ستفضي إلى توليفة مسخ جديد، وعلى قطيعة تامّة مع منظور الدولة الذي طمح له عشية الجلاء قبل سبعين عاماً؛ فكل ما سينتجه هو أردن آخر.
المصدر:الاخبار اللبنانية