وفي قلب هذا المشهد، برز دور دولة الإمارات العربية المتحدة كلاعب محوري تجاوز مجرد الدعم الدبلوماسي أو اللوجستي التقليدي، ليصل إلى هندسة شبكة دولية لجلب المرتزقة من أمريكا اللاتينية، وتحديداً من كولومبيا، في عملية "خصخصة عسكرية" أثارت صدمة المجتمع الدولي وهزت أروقة المؤسسات الحقوقية والقانونية في أوروبا.
هذه العملية، التي جرت خلف ستار كثيف من السرية، لم تكن لتنكشف لولا الجهد الاستقصائي الذي بذله الإعلام الفرنسي وصحيفة الغارديان البريطانية، حيث تتبع كل منهما مساراً مختلفاً كشف في النهاية عن بنية تحتية عسكرية ومالية متكاملة تديرها أبوظبي لضمان تفوق قوات الدعم السريع ميدانياً.
لقد كشفت التحقيقات الاستقصائية المعمقة التي قادها التلفزيون الفرنسي عن المسار المادي واللوجستي الذي سلكه مئات الجنود الكولومبيين السابقين، والذين تم استدراجهم في البداية عبر وكالات توظيف في بوغوتا ومديلين. وأوضح التحقيق الفرنسي أن هؤلاء المقاتلين، ومعظمهم من النخبة السابقة في الجيش الكولومبي المتخصص في مكافحة الإرهاب، تم إيهامهم بعقود عمل لحماية منشآت حيوية داخل دولة الإمارات برواتب مغرية تتجاوز أربعة آلاف دولار شهرياً. ومع وصولهم إلى مطارات الإمارات، تم نقلهم فوراً إلى معسكرات تدريب نائية في منطقة "غياثي" بصحراء أبوظبي، حيث خضعوا لتدريبات مكثفة على أسلحة حديثة وطائرات مسيرة انتحارية.
ووفقاً للتحقيق الفرنسي، فإن المرحلة الأخطر بدأت عند نقل هؤلاء المقاتلين في رحلات جوية ليلية سرية نحو مطارات في الصومال وتشاد، حيث تم تجريدهم من هواتفهم ووثائقهم الرسمية، وإدخالهم إلى الأراضي السودانية عبر الحدود الغربية تحت غطاء شحنات المساعدات الإنسانية التي كانت تشرف عليها جهات إماراتية، ليجدوا أنفسهم فجأة في الخطوط الأمامية لمواجهة الجيش السوداني في مناطق ملتهبة كالخرطوم والفاشر.
وفي موازاة هذا الرصد الميداني الفرنسي، انفردت صحيفة "الغارديان" البريطانية بكشف "الهيكل الإداري والقانوني والمالي" الذي يختبئ خلفه هذا التدخل، حيث تتبعت الصحيفة خيوطاً تقود إلى شركات أمنية مسجلة في عناوين سكنية عادية بضواحي العاصمة البريطانية لندن، تعمل كواجهات قانونية لتمرير الأموال الإماراتية.
كشفت الغارديان أن هذه الشركات، التي تبدو للوهلة الأولى كمكاتب استشارية صغيرة، هي في الواقع مراكز لإدارة عقود المرتزقة وتأمين الغطاء القانوني لعمليات نقلهم دولياً، مما سمح للسلطات الإماراتية بالنأي بنفسها عن أي اتهام مباشر بالتدخل العسكري. كما تمكنت الصحيفة من الوصول إلى وثائق مسربة ومقابلات حصرية مع عائلات المقاتلين الكولومبيين، والذين أكدوا أن التواصل مع أبنائهم انقطع تماماً بمجرد مغادرتهم الإمارات، ليكتشفوا لاحقاً عبر صور مسربة على مواقع التواصل الاجتماعي أن أبناءهم يرتدون زي قوات الدعم السريع ويحملون أسلحة نوعية في قلب دارفور، وهو ما يثبت تورط شركات وسيطة تعمل لصالح الحسابات المالية الإماراتية في تضليل المقاتلين ودفعهم نحو أتون حرب أهلية لا علاقة لهم بها.
وتوسعت "الغارديان" في تقاريرها لتسليط الضوء على الدور التقني النوعي الذي لعبه هؤلاء المرتزقة، حيث لم يتم استقدامهم كجنود مشاة عاديين، بل كخبراء في "تكنولوجيا القتل" الحديثة.
وأوضحت الصحيفة أن المرتزقة الكولومبيين كانوا العقل المدبر وراء تشغيل أسراب الطائرات المسيرة التي استهدفت المواقع الحيوية للجيش السوداني، كما أنهم أشرفوا بشكل مباشر على منظومات الاتصالات الفضائية المشفرة التي وفرتها الإمارات لميليشيا الدعم السريع لضمان سرية عملياتها. والأكثر خطورة في تقرير الغارديان كان الكشف عن تورط هؤلاء المرتزقة في تدريب مجموعات من الأطفال والمجندين القسريين في معسكرات تابعة لحميدتي بدارفور، حيث ظهر المقاتلون الكولومبيون في مقاطع فيديو مسربة وهم يلقنون الصغار فنون القنص واستخدام الأسلحة الثقيلة، مما يعكس استراتيجية إماراتية طويلة الأمد تهدف إلى بناء جيش محترف وعنيف قادر على السيطرة على موارد البلاد، وخاصة مناجم الذهب التي تتدفق معظم صادراتها نحو دبي.
علاوة على ذلك، فقد ربطت التقارير بين هذا النشاط العسكري وبين شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية، حيث أكدت التحقيقات أن التمويل الإماراتي لهؤلاء المرتزقة يمر عبر حسابات بنكية معقدة ترتبط بتجارة الذهب السوداني المنهوب.
وبحسب الغارديان، فإن الرواتب التي تُدفع للمقاتلين الكولومبيين هي في الحقيقة جزء من عوائد الذهب الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع وتصدره حصرياً إلى الأسواق الإماراتية، مما يخلق دائرة مغلقة من التمويل الذاتي للحرب تضمن استدامتها بعيداً عن الرقابة المالية الدولية.
إن تكامل هذه المعلومات بين التحقيق الفرنسي الذي وثق "الجسر الجوي والبري" وبين تحقيق الغارديان الذي فضح "الوسطاء في لندن والرواتب الملطخة بالذهب"، يقدم دليلاً دامغاً على أن الإمارات قد صممت نظاماً متكاملاً لإدارة الصراع في السودان، محولة البلاد إلى ساحة لاختبار المرتزقة الأجانب وتجربة الأسلحة الحديثة، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى تفاقم الكارثة الإنسانية وانسداد أفق الحل السياسي أمام السودانيين.