عاجل:
هل يراجع ال سعود قراراتهم
الاخبار 2015-04-27 07:45 1806 0

هل يراجع ال سعود قراراتهم

....أولى هذه الحقائق أن إرادة الشعوب لا تُقهر ولا تكسر، مهما تعاظم سلطان المال، ومهما تمكن من شراء أصوات أو إسكاتها، ومهما تمدّد نفوذه مستغلاً الاوضاع الاقتصادية البائسة لدول وشعوب وجماعات وافراد، من اجل دفعها إلى السير بعكس مصالحها وإرادتها وعلى حساب كرامتها واستقلالها. وثانية هذه الحقائق أن الإقليم بأسره، بل العالم كله، قد دخلا مرحلة جديدة من موازين القوى،....

سؤال الكبير الذي يطرح نفسه اليوم بعد إعلان الرياض وقف عملية «عاصفة الحزم» في اليمن، وإطلاق عملية «إرادة الأمل»، هو هل نحن أمام مراجعة جريئة لمجمل سياسات الرياض في المنطقة، بعدما وصل العدوان على اليمن إلى ما وصل إليه من حقائق وتحولات، سواء على المستوى الاقليمي أو الدولي. أولى هذه الحقائق أن إرادة الشعوب لا تُقهر ولا تكسر، مهما تعاظم سلطان المال، ومهما تمكن من شراء أصوات أو إسكاتها، ومهما تمدّد نفوذه مستغلاً الاوضاع الاقتصادية البائسة لدول وشعوب وجماعات وافراد، من اجل دفعها إلى السير بعكس مصالحها وإرادتها وعلى حساب كرامتها واستقلالها. وثانية هذه الحقائق أن الإقليم بأسره، بل العالم كله، قد دخلا مرحلة جديدة من موازين القوى، ومن تحوّل في العلاقات، على نحو يفرض نفسه على سياسات وقرارات كان من الممكن اعتمادها بسهولة في ظروف سابقة، فيما يستحيل اليوم إقرارها وتنفيذها. فالكيان الصهيوني لم يعُد في موقع يسمح له أن يسطر معادلات في الإقليم، كما كان الأمر في عقود سابقة حين كان بعض حكام المنطقة يندفعون في هذه السياسة أو تلك، وفي وعيهم، ولا وعيهم أيضاً، أن هناك قوة «عظمى» رابضة في قلب المنطقة يمكن أن تتحرك لقلب الموازين، وهو ما رأيناه في حرب 1967 حيث استفاد العدو من انهاك مصر في حرب اليمن آنذاك، لينزل ضربة قاسية بحق قيادتها الوطنية وقواتها المسلحة في آن، وهو ما رأيناه أيضاً في حرب 1982 في لبنان حيث تم الإجهاز على الثورة الفلسطينية وحلفائها في لبنان بعد إنهاكهم في حرب داخلية استمرت سبع سنوات. ثالثة هذه الحقائق أن واقع الهيمنة الأحادية الأميركية على العالم قد بدأ بالتصدع، وهو تصدّع تلخّصه بوضوح حقيقة التباين المتصاعد داخل مراكز القرار في العاصمة الأميركية، لناحية أسلوب التعاطي مع القضايا العالمية. وهو تباين بدأت معالمه بالظهور منذ تقرير «بيكر – هاملتون» الشهير الذي أصدره عقلاء الحزبين الجمهوري والديموقراطي العام 2006، حول اعتماد مقاربات جديدة في السياسة الأميركية، وأوصل باراك اوباما إلى البيت الأبيض، وهو الذي واجه، وما يزال، معارضة عنيفة من المحافظين الجدد واللوبي الصهيوني، وبعض أركان المركب الصناعي – العسكري الذي حذّر الرئيس الأميركي الراحل ايزنهاور من مخاطره عشية انتهاء ولايته العام 1961، والذي يمكن أن نضيف إليه عناصر جديدة متمثلة بالاحتكار المالي والمصرفي الذي يتنامى نفوذه داخل المجتمع الأميركي. ولقد بدأ هذا التباين يبرز بوضوح في ما نراه حولنا من مواقف وتصريحات متعارضة، صادرة عن المسؤولين الأميركيين، الذين لا نستبعد أن يكون بعضهم، الأكثر تشدداً وتطرفاً وغلواً، قد شجّع اصحاب القرار في الرياض على إطلاق «عاصفتهم»، ليلتقط البعض الآخر، الأكثر وعقلانية، ارتباك هذه «العاصفة» وارتطامها بصمود اليمنيين، وتخلّي الحلفاء الذين عُقد الأمل على مشاركتهم، وينبري في إعلان مواقف تنتقد «الغلاة» في الرياض وتذكرهم على لسان اوباما نفسه، أن الخطر عليهم ليس من ايران، واستطراداً ليس من اليمن، بل من الشباب داخل بلادهم والمحرومين من فرص العمل والمشاركة. اما الحقيقة الرابعة فهي أنه قد يكون للمال السعودي سطوته الساحرة على كثيرين، ولكن هذه السطوة سرعان ما تتبخّر حين يصبح الأمر متعلقاً بالموت والحياة، فمن يحبّ المال يحبّه للتنعّم به في الحياة، وبالتالي ليس مستعدّاً للموت من أجله. ولعل في دوائر القرار في الرياض أسئلة تطرح بقوة اليوم عن موقف البرلمان الباكستاني، وعن تركيا التي تحوّلت من «شريك» إلى وسيط، وعن موقف القيادة المصرية التي لم تدرك الرياض حتى الآن، أن أبرز ما تعتز به هو «استقلالية» القرار المصري، وهي استقلالية تجعل القاهرة حريصة على الانفتاح على جميع القوى في الوطن العربي والإقليم والعالم، ولكنها حريصة أيضاً على أن لا تزج بقواتها المسلحة في حروب خارج بلادها. وربما ينسى القيمون على اتخاذ القرار في الرياض، أن ما عجّل في سقوط حكم الرئيس محمد مرسي في 30 حزيران 2013، هو خطبته «الجهادية» في ستاد القاهرة قبل أسبوعين على السقوط، والتي دعا فيها جيش مصر وشعبها إلى «الجهاد» في سوريا، فردّ عليه الجيش المصري، برفض هذه الدعوة، ثم كان ما كان.... أما الحقيقة الخامسة فهي أن القيّمين على الأمور في المملكة قد ظنوا ان عطش الأمة إلى صحوة عربية بعدما طال الظلام عليها والظلم، والى مشروع عربي يوازي المشاريع الإقليمية الصاعدة، قد يمكنهم من تعبئة العرب جميعاً، ومعهم العديد من المسلمين، وفي مغامرة يكفي أن يكون عنوانها «مذهبياً» ضد الشيعة أو «قومياً» ضد إيران، ولكن لم يدرك هؤلاء القيّمون على القرار السعودي، أن الصحوة العربية لا تقوم على خطاب الانقسام المجتمعي والتحريض المذهبي، لأن العروبة أساساً هي الهوية الجامعة التي لا تتنكر لأي من مكونات الوطن العربي الكبير، دينياً كان أم مذهبياً، أم حتى قومياً من الأقوام التي تساكنت مع العرب مئات السنين وشاركتهم ثقافتهم. وتناسى هؤلاء أيضاً أن المشروع العربي، وهو مشروع استقلالي نهضوي حضاري بالأساس، لا يقوم إلا عبر مواجهة العدو التاريخي للأمة وهو العدو الصهيوني والاستعماري، كما لا يقوم إلا عبر مشروع تنموي عربي مستقلّ لم تصرف الدول العربية النفطية عليه نسبة ضئيلة مما أنفقته في تمويل حروب الداخل وخزائن الخارج، كما لا يقوم المشروع العربي المنشود إلا عبر علاقات ديموقراطية تشكل حقوق الإنسان القلب منها، وهي علاقات ما زالت دولنا العربية عموماً، وخصوصاً النفطية منها، محرومة منها. الحقيقة السادسة أن الذين كانوا يحرّضون الرياض وغيرها على ايران، مستفيدين من دون شك من أخطاء وخطايا في الممارسات والتصريحات ارتكبها بعض المسؤولين الإيرانيين، باتوا اليوم في موقع الإقرار بصعوبة تجاوز إيران في كل الملفات الإقليمية، بل وباستحالة إسقاط نظامها. في ظل هذه الحقائق، هل تقوم القيادة السعودية في الرياض بالمراجعة الجريئة والصادقة للقرارات المتخذة، وبجردة حساب يقوم بها كل عاقل إثر كل محطة من محطات مسيرته، أم أن المكابرة ستبقى متحكّمة بالمواقف والسياسات فتقود إلى المزيد من الكوارث على الأمة، وعلى المكابرين أنفسهم؟ المكـــابرة هي وليدة الإحــــساس بفائض القــــوة الذي كثيراً ما قاد أصحابه إلى التهوّر والاقتتال والتقديرات الخاطئة، وهو إحساس لا يزول إلا بالمراجعة المستمرّة، والتفاعل مع رأي الآخرين، وهي مراجعة مطلوبة من الجميع

آخر الاخبار