عاجل:
اتفاقية بطيخ مكة خارج حيّز التنفيذ
الاخبار 2026-09-16 09:56 744 0

اتفاقية بطيخ مكة خارج حيّز التنفيذ

اكتفت تركيا حتى الآن بإدانة الهجمات الحوثية المستمرة على مواقع ومنشآت سعودية، تحديداً مواقع الطاقة، من دون التطرق بشكل مباشر لما يجري داخل اليمن من تطورات، في وقت توجهت فيه الأنظار إلى اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان، والدور الذي يمكن لتركيا أن تلعبه في هذا الصدد.

ورغم أن الاتفاقية حديثة العهد، وموقّعة في السابع من أغسطس/ آب الماضي وتحتاج إلى وقت لاستكمال تفاصيلها لتصبح نافذة، إلا أن العلاقات الثنائية بين البلدين تشمل قطاعات عسكرية أهمها التعاون في الصناعات الدفاعية. وخلال فترة التصعيد المستمرة منذ نحو أسبوعين أصدرت تركيا بيانين عبر وزارة الخارجية، آخرهما في 12 سبتمبر/ أيلول الحالي، أدانت فيه الوزارة بأشد العبارات الهجمات التي استهدفت السعودية بطائرات مسيرة، شملت خط أنابيب شرق غرب. ورغم أن الهجمات انطلقت من الأراضي العراقية، إلا أنها ترتبط بالصراع السعودي في المنطقة مع فصائل موالية لإيران كالحوثيين والحشد الشعبي في العراق.

 

وجاء في بيان وزارة الخارجية التركية: "ندين بأشد العبارات الهجمات التي نُفذت من الأراضي العراقية بطائرات مسيرة واستهدفت السعودية"، مؤكدة دعمها سيادة السعودية ووحدة أراضيها. وأشادت بموقف السلطات السعودية "المتسم بضبط النفس، والرامي إلى عدم تصعيد التوتر في المنطقة"، معربة أيضاً عن ارتياحها لإدانة الحكومة العراقية الهجمات المذكورة، وبدئها تحقيقاً فورياً بهدف كشف ملابسات الحادث وتحديد المسؤولين عنه.

 

وفي الثامن من سبتمبر الحالي، أدانت تركيا بـ"شدة" هجمات الحوثيين في اليمن التي استهدفت السعودية، مؤكدة دعمها لسيادة المملكة ووحدة أراضيها. وقالت وزارة الخارجية في بيان: "ندين بأشد العبارات هجمات الحوثيين التي تستهدف السعودية، وتتجاهل سلامة أرواح المدنيين وممتلكاتهم، وتصعّد التوتر في المنطقة، نجدد دعمنا لسيادة السعودية ووحدة أراضيها"، وأكدت الوزارة أن الهجمات تضر أيضاً بالجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الصراع في اليمن عبر التوصل إلى حل سياسي دائم، ودعت الحوثيين إلى وقف أعمالهم العدائية في أقرب وقت.

 

وأجرى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان اتصالات مع نظرائه في المنطقة، منها اتصال مع نظيره السعودي فيصل بن فرحان، بحث فيه، بحسب الوزارة، التطورات الأخيرة في المنطقة والهجمات التي استهدفت السعودية. كما أجرى فيدان جولة اتصالات مع نظرائه الإيراني عباس عراقجي، والقطري محمد بن عبد الرحمن، لبحث ملف مضيق هرمز ومفاوضات إيقاف الصراع في المنطقة، والهجمات التي استهدفت السعودية.

 

ومن الواضح أن تركيا لن تخوض في أي عمل عسكري مباشر ضد أي طرف في اليمن لسببين. السبب الأول هو مساندة تركيا الشرعية اليمنية والدعوة إلى حل الخلافات عبر الحوار. أما السبب الثاني، فيعود لارتباط الملف بشكل مباشر بإيران المجاورة لها، ولكن يبدو أن ثمة أدواراً ستساهم في الإمداد والدعم العسكري وتزويد السعودية بالأسلحة والمسيرات وتبادل المعلومات الاستخباراتية.

 

البروفسور التركي جنغيز تومار، المختص بقضايا الشرق الأوسط، تحدث لـ"العربي الجديد" عن موقف تركيا من الحرب في اليمن والهجمات الحوثية على السعودية، قائلاً: "تتمثل السياسة الرسمية للحكومة التركية في دعم الحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، بما يضمن سلامة أراضي اليمن وسيادته، إلا أن الأزمة اليمنية تؤثر سلباً على تركيا، لا سيما اقتصادياً نتيجة ارتفاع أسعار النفط. وتسعى تركيا إلى انخراط جميع الدول المعنية في حوار دبلوماسي لإيجاد حل دائم، ولكن هل يمكن أن يتغير هذا الموقف بعد اتفاقية مكة؟ هذا هو السؤال الأهم".

 

وأضاف تومار: "ومع ذلك، يتمثل النهج التركي العام في دعوة جميع الأطراف إلى الحوار، والدعوة إلى ضبط النفس، وحل القضية عبر الحوار ووفقاً لقرار الأمم المتحدة. بالطبع يؤثر تصاعد حدة الصراعات بشكل خاص على تركيا اقتصادياً، ولكن هناك أيضاً جانباً آخر نتيجة للنزاع حول باب المندب والاشتباكات المرتقبة. قد ترى تركيا فرصة بذلك، ربما ليس على المدى القريب، ولكن على المديين المتوسط والبعيد، لإنشاء طرق وممرات وخطوط أنابيب جديدة تمر عبر الأردن وسورية وتركيا".

 

وأوضح تومار الموقف التركي بالقول: "أدانت تركيا بشدة هجمات الحوثيين على السعودية سابقاً، ولكن هل سيقتصر موقفها على الإدانة فقط؟ أم من الممكن تقديم دعم دبلوماسي وعسكري ملموس في الفترة المقبلة؟ مع ذلك وفي الوضع الراهن وبعد اتفاقية مكة، لا أعتقد أن تركيا ستخوض حرباً برية في اليمن، لكن ربما يكون هناك دعم يتجاوز خطتها الحالية". ورأى أن "نوع هذا الدعم أولاً قد يكون في مجال التكنولوجيا العسكرية، وثانياً قد يكون في مجال الاستخبارات، وثالثاً قد يكون دعماً استراتيجياً وعسكرياً وسياسياً متنوعاً، ويمكن توفير أنظمة عسكرية مختلفة. وبالنظر إلى قدرات تركيا العالية في الصناعات الدفاعية العسكرية في السنوات الأخيرة، أعتقد أن تركيا قادرة على تقديم المزيد من المساعدة في هذه المجالات، لكنها ستولي اهتماماً أكبر بالوضع والحوار والتواصل الدبلوماسي".

 

وعن دور اتفاقية مكة، قال تومار: "اتفاقية مكة بالطبع لها دور دفاعي بالمنطقة، وكما تعلمون سبق لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، أن دعم تركيا في مواجهة الهجمات القادمة من سورية، حيث أرسل أنظمة دفاعية متنوعة، لكن ناتو لم يتدخل في حرب سورية. وقد يتكرر الأمر نفسه مع تركيا، إذ يمكن تقديم دعم واسع النطاق للسعودية، يشمل الدعم الاستخباراتي والعسكري والصناعي الدفاعي، فضلاً عن المساعدة الدبلوماسية، مع ذلك لا أعتقد أن تركيا ستشارك في حرب برية بشكل مباشر في اليمن، وأعتقد أنه أمر غير وارد أبداً".

 

من ناحيته، قال أنس بيرقلي، رئيس قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعة التركية الألمانية، في حديث مع "العربي الجديد"، إن تركيا "تنظر إلى التوترات والصراعات في اليمن باعتبارها جزءاً من تصاعد الصراعات الإقليمية بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، ومنذ بداية الحرب الأهلية اليمنية (2011)، دعت أنقرة إلى الحفاظ على وحدة الأراضي اليمنية وحل النزاع عبر المفاوضات الدبلوماسية. ويعتبر بيرقلي أن تجدد الصراع مشكلة اقتصادية وأمنية خطيرة، لا سيما بسبب تأثيره البالغ على طرق التجارة العالمية، وتداعياته الاقتصادية، والهجمات على السعودية".

 

دعم تركيا للسعودية سيزداد:

 

وعن دعم تركيا للسعودية، رأى بيرقلي أنه "لن يقتصر على مجرد الكلام أو الإدانة، ففي الفترة المقبلة سيزداد دعم تركيا لأمن السعودية ودفاعها عن نفسها، وسيصبح ملموساً من خلال المساعدة التقنية والاستخباراتية، فضلاً عن منتجات الصناعات الدفاعية المتطورة". وبشأن دور اتفاقية مكة في التعاون والدعم المشترك، اعتبر أنها "لا تزال في مراحلها الأولية، وليست نصاً نهائياً مكتملاً، وكي تدخل الاتفاقية حيز التنفيذ يجب أن يصادق عليها البرلمان التركي وبرلمانا السعودية وباكستان، وبمجرد اكتمال هذه العملية، يتمثل الهدف في إنشاء منظومة دولية ضمن إطاره، وتعميق التعاون بين الدول، وضمان توحيد الجيوش، وزيادة القدرة على تنفيذ عمليات مشتركة".

 

وختم بيرقلي بالقول: "رغم أن الأحداث في اليمن تشكل اختباراً لاتفاقية مكة، إلا أنها لا تؤدي إلى إبطالها تماماً، بل ستقدم كل من تركيا وباكستان للسعودية الدعم الدبلوماسي والفني اللازم، ومن المتوقع أن تتخذ تركيا وباكستان، ولا سيما من خلال استغلال نفوذ باكستان على إيران، المبادرات اللازمة لتهدئة الصراع وبدء عملية تفاوض دبلوماسية، وأن تواصلا دعمهما للسعودية".

 

آخر الاخبار