وبحسب تحليل لـ”أكسفورد أناليتيكا”، نشرته “داو جونز”، فإن “السعودية” والإمارات ستسعيان إلى تشديد الرقابة على التغطية الإعلامية والتعليقات التي تبرز خلافاتهما، مع الحفاظ على التعاون في الملفات التي تتقاطع فيها المصالح، ولا سيما حرية الملاحة والأمن البحري، فيما تبقى احتمالات التوافق محدودة في ملفات أكثر حساسية، من بينها البحر الأحمر وإسرائيل واليمن.
وفي مؤشر على محاولة إعادة ضبط الخطاب، أكدت منشورات متزامنة على وسائل التواصل الاجتماعي في 21 يوليو/تموز متانة العلاقات “السعودية” الإماراتية، مع التركيز على التاريخ والمصالح المشتركة بين البلدين، ودعوة وسائل الإعلام إلى تجنب ما يمكن أن يسيء إلى العلاقات الثنائية.
وسبق ذلك تداول صورة لوزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان ونائب رئيس دولة الإمارات منصور بن زايد، في مشهد حمل رسالة واضحة بشأن متانة العلاقة بين الجانبين.
ويرى التحليل أن هذا التسلسل يعكس جهداً منسقاً لاحتواء النقاش العام حول الخلافات وإظهار قدر أكبر من الوحدة، والعودة إلى إدارة التباينات بعيداً عن التصعيد الإعلامي العلني.
وحدة في الخطاب لا تعني حل الخلافات:
لكن التحول في الخطاب، بحسب “أكسفورد أناليتيكا”، لا يعني أن الرياض وأبوظبي توصلتا إلى تسوية للخلافات التي دفعتهما إلى إطلاق هذه الرسائل، ولا أن حلها بات قريباً.
فكلا النظامين، وفق التحليل، خلصا إلى أن السماح للخلافات بالظهور علناً لا يخدم مصالح أي منهما، خصوصاً بعدما أبرزت الحرب مع إيران وتجدد تهديدات الحوثيين اليمنيين ونشاط الجماعات الموالية لطهران هشاشة دول الخليج أمام أزمات إقليمية لا تملك السيطرة الكاملة عليها.
وفي هذا السياق، يمكن أن تشكل الانقسامات “السعودية” الإماراتية فرصة لخصومهما الإقليميين لاستغلالها، بما يعقّد الدبلوماسية الخليجية ويزيد الضغوط على الحكومتين، الأمر الذي يجعل إظهار الوحدة ضرورة عملية أكثر منه مؤشراً على تجاوز أسباب التنافس.
ومع ذلك، لم يمنع التنافس البلدين من التعاون في بعض الملفات. فقد شاركت “السعودية” والإمارات، إلى جانب مصر وقطر والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا، في إصدار بيان مشترك بشأن غزة في 16 أغسطس/آب، في نموذج لعلاقة بات فيها التعاون والمنافسة قائمين في الوقت نفسه.
حسابات أمنية متباينة:
وينبع جزء من التباين بين البلدين من اختلاف طبيعة المخاطر التي يتعرض لها كل منهما. فعلى الرغم من تعرض “السعودية” والإمارات لهجمات استهدفت البنية التحتية للطاقة والملاحة وطرق التجارة، فإن درجة التعرض للمخاطر ومصادرها ليست متطابقة.
فالإمارات تستطيع تصدير النفط عبر الفجيرة خارج مضيق هرمز، وإن كانت منشآتها هناك تبقى عرضة للتهديدات والهجمات الإيرانية. أما “السعودية” ، فتملك بديلاً عبر خط أنابيب الشرق–الغرب الذي ينقل النفط الخام إلى ينبع على البحر الأحمر، غير أن هذه المنطقة والبنية التحتية المرتبطة بها سبق أن تعرضت لهجمات من "أنصار الله".
وتساعد هذه الفوارق في تفسير عدم وصول الرياض وأبوظبي دائماً إلى المقاربات نفسها بشأن الأمن البحري والشراكات الإقليمية والإجراءات اللازمة لحماية مصالحهما.
اليمن.. ساحة التباعد الأخطر:
ويبرز اليمن باعتباره أحد أوضح نماذج ابتعاد “السعودية” والإمارات عن الشراكة الوثيقة التي ميزت علاقتهما خلال جزء كبير من أواخر العقد الثاني من القرن الحالي.
وبحسب التحليل، ظهر أخطر أوجه المواجهة بعدما تحولت الخلافات بشأن الشركاء السياسيين والأمنيين إلى صدام مباشر، على خلفية التقدم الذي أحرزه “المجلس الانتقالي الجنوبي” المدعوم إماراتياً في ديسمبر/كانون الأول 2025.
وتصاعدت الأزمة لاحقاً مع شنّ “السعودية” ضربة قالت إنها استهدفت شحنة معدات عسكرية إماراتية كانت متجهة إلى قوات المجلس الانتقالي، قبل أن تسحب الإمارات قواتها من اليمن، فيما انسحب المجلس من المواقع التي كان قد سيطر عليها.
ورغم احتواء الأزمة، فإن ذلك لم يؤدِ إلى معالجة الخلافات الأساسية بين الطرفين، بل تدهورت العلاقات أكثر مع تصاعد الانتقادات المتبادلة بين المعلقين ووسائل الإعلام “السعودية” والإماراتية، وصولاً إلى قرار الإمارات في مارس/آذار حجب حسابات قناة “العربية” على منصة “إكس”.
ولا يقتصر التباين على اليمن؛ إذ دعمت الرياض وأبوظبي أطرافاً مختلفة في السودان، كما دخلتا في منافسة متزايدة على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بما في ذلك الصومال وأرض الصومال، ما يعكس اختلافاً في مقاربتيهما للنفوذ والأمن الإقليميين.
منافسة تتجاوز السياسة إلى الاقتصاد:
وتتسع المنافسة أيضاً لتشمل المجال الاقتصادي. فقد أظهر انسحاب الإمارات من منظمة “أوبك” استعداد أبوظبي لاتباع مسار أكثر استقلالاً، حتى مع ما يمكن أن يسببه ذلك من احتكاك مع الرياض، في وقت تتجه فيه الدولتان إلى منافسة مباشرة على الحصة السوقية في قطاع النفط.
لكن التنافس لا يتوقف عند النفط. فخطط “السعودية” لتحويل الرياض إلى مركز إقليمي للأعمال، والتوسع في قطاعات الطيران والسياحة والترفيه والخدمات اللوجستية، تمثل تحدياً متزايداً للمكانة التي احتفظت بها الإمارات طويلاً في هذه المجالات.
كما يتنافس النظامان على استقطاب الشركات والمستثمرين والسياح والعمالة الماهرة، ضمن ما يسمى برامج التنويع الاقتصادي، ما يجعل من غير المرجح أن يؤدي أي تحسن سياسي إلى إنهاء الضغوط التنافسية بينهما.
وتكشف التطورات الأخيرة أن الخلافات لا تزال حاضرة رغم محاولات إظهار الوحدة؛ إذ لم تنضم الإمارات إلى التحالف البحري الذي تقوده “السعودية”، رغم اهتمامها المشترك بأمن الملاحة.
وفي موازاة ذلك، أفادت شركات بوجود تأخيرات أثرت على التحويلات المالية من “السعودية” إلى حسابات في الإمارات منذ مايو/أيار، إلى جانب اضطرابات في التجارة العابرة للحدود، فيما تنفي السلطات “السعودية” فرض قيود تستهدف دولة بعينها.
إدارة التنافس بدل إنهائه:
ويخلص تحليل “أكسفورد أناليتيكا” إلى أن دوافع التعاون بين الرياض وأبوظبي ازدادت بفعل المخاطر الإقليمية، لكن ذلك لم يغير إصرار كل منهما على السعي وراء مصالحها الخاصة.
وعليه، فإن التدخل الإعلامي الذي جرى في يوليو/تموز لا يمثل، وفق التحليل، بداية لاستعادة الشراكة الوثيقة التي ميزت العلاقة بين البلدين في السابق، بقدر ما يمثل محاولة لإدارة التنافس والحد من كلفة ظهوره العلني.
وباتت “السعودية” والإمارات تعملان بصورة متزايدة كقوتين إقليميتين مستقلتين، تتقاطع مصالحهما في ملفات محددة، فيما تتنافس في ملفات أخرى. أما التحول الأبرز، فيكمن في إدراكهما أن إبراز هذه الخلافات على الملأ قد يأتي بنتائج عكسية، وأن المرحلة المقبلة ستتطلب إدارة أكثر حذراً للتباينات، وإبقائها، قدر الإمكان، بعيداً عن ساحة الإعلام.