عاجل:
حكام الخليج يشددون قبضتهم الداخلية خوفاً من تداعيات سياسية واجتماعية
الاخبار 2026-06-08 08:55 675 0

حكام الخليج يشددون قبضتهم الداخلية خوفاً من تداعيات سياسية واجتماعية

سلّطت مجلة إيكونوميست البريطانية الضوء على ما وصفته بتوجه متزايد لدى حكام دول الخليج نحو تعزيز السيطرة الداخلية وإظهار الحزم السياسي، في ظل بيئة إقليمية مضطربة تتسم بتصاعد التوترات الأمنية وتراجع الثقة بالمظلة الأمنية الأمريكية، الأمر الذي انعكس في إجراءات استثنائية شملت سحب الجنسيات وتشديد القيود السياسية والأمنية في عدد من دول المنطقة.

وبحسب التقرير، بات يوم الخميس مصدر قلق للكثير من الكويتيين، حيث تُنشر بشكل دوري قوائم جديدة بأسماء المواطنين الذين تقرر السلطات سحب جنسيتهم. وتقول منظمات حقوقية إن أمير الكويت الشيخ مشعل الصباح جرّد منذ مايو/أيار 2024 نحو 70 ألف شخص، إضافة إلى أفراد أسرهم المعالين، من الجنسية الكويتية، وهو ما يمثل ما يقارب 16% من المواطنين الكويتيين.

 

وأشارت المجلة إلى أن فقدان الجنسية لم يقتصر على الجانب القانوني فحسب، بل ترتبت عليه تداعيات واسعة شملت خسارة فرص العمل الحكومي الدائم، والحرمان من الرعاية الصحية المجانية، وفقدان حق تملك العقارات وإدارة الشركات. ونقلت عن كويتيين قولهم إن حجم الضغوط والإذلال الناتج عن هذه الإجراءات دفع بعض المتضررين إلى الانتحار. 

 

وربطت إيكونوميست هذه السياسات بالواقع الأمني المتوتر الذي تعيشه دول الخليج، مشيرة إلى أن المنطقة تواجه تحديات استراتيجية متزايدة في ظل الهجمات الصاروخية التي تنفذها جماعات مرتبطة بإيران في العراق، إلى جانب المخاوف المرتبطة بمضيق هرمز الذي يشكل شرياناً أساسياً لصادرات النفط والغاز الخليجية.

 

كما اعتبرت المجلة أن الاعتماد التقليدي على الحماية الأمريكية لم يعد يحظى بالثقة نفسها التي كان يتمتع بها سابقاً، في وقت تواجه فيه الاقتصادات الخليجية تحديات تتعلق بمستقبل نماذجها الاقتصادية المعتمدة على الطاقة.

 

وترى المجلة أن عجز الأنظمة الخليجية عن معالجة هذه التهديدات الخارجية دفعها إلى التركيز على الداخل وإظهار القوة من خلال إجراءات أمنية وسياسية مشددة، وصفتها بأنها تشبه في بعض جوانبها الأحكام العرفية.

 

 

 

 سحب جنسيات واعتقالات وتشديد القيود:

 

 

 

وأوضحت إيكونوميست أن عشرات الآلاف من الأشخاص في دول الخليج فقدوا جنسياتهم أو تعرضوا للطرد خلال الفترة الأخيرة، فيما اعتُقل أكثر من ألف شخص في أنحاء مختلفة من المنطقة.

 

وفي الإمارات أوقفت السلطات وافدين بتهمة تصوير هجمات صاروخية، بينما شددت الكويت في أبريل/نيسان الماضي معايير الحصول على الجنسية، في خطوة وصفها الشيخ مشعل بأنها عملية "تطهير وطني".

 

كما أشارت إلى أن معظم دول الخليج، باستثناء سلطنة عُمان، تعاملت مع مواطنيها الشيعة بوصفهم مصدر قلق أمني محتمل بسبب الروابط المذهبية مع إيران. ووفق التقرير، أغلقت الإمارات مستشفيات ومدارس ونوادٍ إيرانية، كما مُنع عدد من المقيمين الإيرانيين من العودة إلى البلاد.

 

ونقلت المجلة عن أحد أفراد الأسرة الحاكمة في الكويت قوله إن هذه السياسات تبدو متناقضة مع حاجة دول الخليج إلى الحفاظ على سكانها وقواها العاملة، خاصة في ظل مغادرة أعداد من الأجانب بسبب التوترات الإقليمية. كما نقلت عن مسؤول أمني كويتي قوله إن حالة الشك باتت واسعة النطاق إلى درجة أن الجميع أصبحوا موضع ريبة. 

 

وفي الشأن السياسي الداخلي، أشارت إيكونوميست إلى أن الشيخ مشعل كان قد اتخذ قبل اندلاع الحرب خطوات أنهت عملياً خصوصية الكويت بوصفها التجربة البرلمانية الأكثر انفتاحاً في الخليج. 

 

ففي مايو/أيار 2024 جرى تعليق عمل البرلمان المنتخب، الذي يعود تاريخ تأسيسه إلى عام 1938، وأصبحت البلاد تُدار عبر المراسيم الأميرية. وتقول المجلة إن القيود توسعت لاحقاً لتشمل حظر البرامج الحوارية وإغلاق الديوانيات التي تمثل إحدى أبرز منصات النقاش السياسي والاجتماعي في الكويت. 

 

كما امتدت الرقابة إلى وسائل التواصل والتطبيقات الرقمية، بما في ذلك مجموعات "واتساب"، وأُلغيت الانتخابات البلدية. ونقلت المجلة عن أكاديمي كويتي قوله إن البلاد تحولت إلى "ديكتاتورية".

 

 

 

 مخاوف من تداعيات طويلة الأمد:

 

 

 

وأبدى عدد من المحللين الأمنيين، بحسب التقرير، قلقهم من أن تؤدي حملات سحب الجنسية والإقصاء السياسي إلى نتائج عكسية تهدد استقرار الدول الخليجية الصغيرة. وتتمثل إحدى المخاوف الرئيسية في أن هذه الدول، رغم ثرائها، تعاني من محدودية عدد السكان وانخفاض معدلات المواليد، كما تقع في محيط إقليمي تهيمن عليه قوى أكبر حجماً مثل إيران والعراق و"السعودية".

 

وتشير المجلة إلى أن اتساع دائرة المستهدفين بقرارات سحب الجنسية يفاقم هذه المخاوف، إذ لم تقتصر الإجراءات على فئات محددة، بل شملت نساء أجنبيات متزوجات من كويتيين، ومسؤولين تنفيذيين في قطاع النفط، ومصرفيين، وحتى سفير الكويت السابق لدى بريطانيا.

 

ونقلت عن ناشط من فئة عديمي الجنسية تساؤله حول دوافع التضحية من أجل دولة تعمل على عزله، فيما أعرب جنرال كويتي متقاعد شارك في حشد المواطنين ضد الغزو العراقي عام 1991 عن شكوكه بشأن استعداد الجميع للدفاع عن وطنهم في الظروف الحالية. 

 

 

 

تصاعد التوتر الطائفي:

 

 

 

كما تناول التقرير تداعيات السياسات الأمنية على العلاقة مع المواطنين الشيعة في الخليج، مشيراً إلى أن الضغوط المتزايدة المفروضة على الشيعة والمقيمين الإيرانيين ساهمت في إعادة إحياء مشاعر طائفية كانت قد تراجعت خلال السنوات الماضية.

 

ووفق المجلة، أغلقت الإمارات عدداً من المساجد الشيعية واعتقلت عشرات الأشخاص بتهم تتعلق بالانتماء إلى جماعات شيعية مصنفة إرهابية. كما تحدث التقرير عن محاولات يقوم بها بعض الشيعة لإظهار ولائهم للأنظمة الحاكمة، إلا أن ذلك لم يمنع استمرار الشكوك الأمنية تجاههم. 

 

وفي الكويت، نقلت المجلة عن ضابط رفيع المستوى قوله إن مئات الشيعة تعرضوا لتخفيض رتبهم داخل الأجهزة الأمنية.  ورأت إيكونوميست أن هذه السياسات قد تأتي بنتائج معاكسة، إذ قد تدفع بعض الفئات نحو مزيد من التقارب مع إيران.

 

عُمان تسلك مساراً مختلفاً  في المقابل، أبرزت المجلة حالة سلطنة عُمان بوصفها استثناءً خليجياً في التعامل مع التطورات الإقليمية.

 

فبدلاً من التصعيد تجاه إيران، تواصل مسقط تعزيز علاقاتها مع طهران وتسعى إلى توسيع التعاون الاقتصادي معها. 

 

وأشار التقرير إلى أن عُمان هي الدولة الخليجية الوحيدة التي تُسيّر رحلات جوية يومية إلى إيران، كما كانت الدولة الخليجية الوحيدة التي شارك وزير خارجيتها في سجل التعازي الذي فتحته السفارة الإيرانية عقب وفاة خامنئي.

 

وتأمل السلطنة، بحسب المجلة، في الاستفادة من موقعها الجغرافي وقدرتها على الوصول إلى الأسواق دون الاعتماد الكامل على مضيق هرمز، فضلاً عن جذب الاستثمارات والمقيمين الذين يغادرون دولاً خليجية أخرى.

 

ورغم أن النظام السياسي العُماني لا يختلف من حيث الطبيعة السلطوية عن بقية الأنظمة الخليجية، فإن إيكونوميست ترى أنه يتجنب إلى حد كبير توظيف سياسات الهوية والطائفية التي أصبحت أكثر حضوراً في دول أخرى بالمنطقة. 

 

وختمت المجلة بالإشارة إلى أن هذا النهج ساهم في تعزيز جاذبية السلطنة اقتصادياً خلال العام الماضي، حيث تفوق أداء سوق الأسهم العُماني على العديد من الأسواق الخليجية، بينما بدأ رجال أعمال ومغتربون، بينهم إيرانيون، بنقل أنشطتهم إلى مسقط، في مؤشر على تحولات قد تشهدها خريطة التجارة والاستثمار في الخليج خلال السنوات المقبلة.

 

آخر الاخبار