عاجل:
مُفارقات التضامن مع السعودية
الاخبار 2026-09-19 10:04 614 0

مُفارقات التضامن مع السعودية

سارعت أطراف لبنانية متعدّدة إلى إعلان التضامن مع سلطات المملكة العربية السعودية في الجولة الحالية من صراعها مع فريق من اليمنيين: للسيطرة على كل اليمن كما كانت تطلعاتها دائماً.

بقلم: سعد الله مزرعاني/ كاتب لبناني...

 

سارعت أطراف لبنانية متعدّدة إلى إعلان التضامن مع سلطات المملكة العربية السعودية في الجولة الحالية من صراعها مع فريق من اليمنيين: للسيطرة على كل اليمن كما كانت تطلعاتها دائماً. هذا التعدّد جعل التضامن وكأنه أمر بديهي. أي وكأن الفريق اليمني المذكور هو الذي بادر بالعدوان، أو كأنه هو الذي تدخّل ولا يزال في الشؤون الداخلية السعودية، أو كأن هذا الفريق هو طرف خارجي أجنبي ما يملي، مبدئياً، واجب الوقوف ضده تضامناً مع جهة شقيقة.

 

لا تتطابق كل هذه الحالات مع مشهد الصراع المتجدّد بين فريق من اليمنيين والقيادة السعودية. في بداية النزاع الداخلي بين الأطراف اليمنية (إثر تفريغ انتفاضة شباب اليمن عام 2011 من مضمونها الإصلاحي التغييري بدور سعودي نشيط)، كانت سلطات المملكة السعودية هي التي سارعت إلى التدخل في النزاع، بطبل وزمر، بذريعة «دعم الشرعية». الشرعية المذكورة كانت موضوع نزاع داخلي. كان الأحرى بالرياض أن تتدخل لتقريب وجهات النظر، أو لتجنب العنف والتصعيد. لم تفعل ذلك. شكّلت «تحالف دعم الشرعية» بقيادتها. نظّمت تدخلاً عسكرياً مباشراً. لعب ذلك «التحالف» دوراً بارزاً في استهداف فريق يمني لحساب فريق آخر موال. التدخل السعودي فاقم الأوضاع، وساهم في تأجيج وإدارة حرب أهلية بين اليمنيين. استمر الأمر على هذا النحو رغم انهيار «الشرعية» الشكلية القائمة واستبدال ممثليها الأساسيين بآخرين مُعيّنين من قبل الرياض، ومهجّرين إليها وإلى عدن مع عائلاتهم ومؤسساتهم.

 

أثبتت الجهة اليمنية المُستهدفة من قبل السعودية (أنصار الله) حيوية سياسية وعسكرية. تجلّى ذلك في السيطرة على العاصمة وأنحاء واسعة من البلاد. صمدت تلك الجهة في وجه هجمات «التحالف» وأتباعه في الداخل. تحوّلت في مرحلة لاحقة إلى الهجوم وتمكّنت من احتلال بعض النقاط الحدودية السعودية. تمكّنت أيضاً من قصف مواقع حيوية في المملكة. كانت الأمور تسير على هذا النحو حين اختارت قيادة المملكة سبيل التسوية بعد أن تزايدت خسائرها وتراجع عدد من المشاركين في «تحالفها»، وبعد أن عجزت واشنطن وممثلون دوليون منحازون عن تغيير معادلات راجحة باستمرار لمصلحة الحوثيين بقيادة عبد الملك الحوثي.

 

بيد أن التسوية لم تتجاوز مسألة وقف إطلاق النار وبعض الأمور الإجرائية البسيطة الأخرى. التدخل السعودي استمر. وهو في مرحلة متأخرة، اصطدم بشريكه ومنافسه الإماراتي الذي كان يبحث عن نفوذ خاص به في الجنوب. حاول الفريق المدعوم من الإمارات التركيز على أولوية الانفصال. وقع تحت تأثير داعمه الإماراتي في ما يتعلق بموقع جنوب اليمن في الصراع الإقليمي، وخصوصاً مع العدو الصهيوني. قاد عيدروس الزبيدي ذلك الفريق، إلى التمدّد شمالاً على حساب النفوذ السعودي. دفع ذلك المملكة إلى التدخل العسكري وإلى هزيمة الزبيدي وهروبه إلى أبو ظبي.

 

منذ بدء الهجوم الإسرائيلي الهمجي على غزة برز موقف «أنصار الله» حازماً وشجاعاً وفاعلاً. حظروا السفن الإسرائيلية. اشتبكوا مع القطعات البحرية الأميركية. أطلقوا صواريخهم باتجاه تل أبيب وموانئ بحرية ومواقع عسكرية إسرائيلية أخرى... فرضوا على واشنطن تقليص تدخلها عبر اتفاق أعلنه الرئيس ترامب شخصياً...

 

لم تكن القيادة السعودية يوماً مرتاحة للدور اليمني وتحالفاته الإقليمية، ولا لتصليب وتعزيز مواقعه الداخلية، وهي لذلك قد سارعت إلى استغلال العدوان الأميركي/ الصهيوني على الجمهورية الإسلامية للضغط على صنعاء اعتقاداً منها بأن هذه الأخيرة قد باتت معزولة وضعيفة بعد الضربات المؤثرة التي أصابتها واستهدفت حلفاءها في إيران وسوريا ولبنان وفلسطين. باشرت الرياض التصعيد عبر استهداف مطار صنعاء لمنع عودة وفد قيادي يمني شارك في أربعين المرشد الشهيد السيد علي خامنئي. وشدّدت حصارها على الموانئ اليمنية المُدارة من قبل «أنصار الله»...

 

عموماً، لم تجر الرياح كما تشتهي السفن السعودية. واشنطن اضطرت إلى توقيع اتفاق مع إيران كان، في خلاصته، انتصاراً نسبياً لطهران، ما فرض على ترامب أن يتراجع عنه. صنعاء، من جهتها اعتمدت نفس النهج الإيراني حيال واشنطن وحلفائها. ردّت على الحصار السعودي بحصار على السعودية نفسها. تسارعت الأمور إثر ذلك. تمكّنت صنعاء من السيطرة الكاملة على الساحل الغربي اليمني على البحر الأحمر بما في ذلك مدينة «المخا» التاريخية ومضيق «باب المندب» الاستراتيجيان. الأخير ممر دولي يعبره نحو 10% من صادرات الطاقة العالمية ونحو 80% من النفط السعودي المُصدّر بعد أزمة «مضيق هرمز». في الأثناء، ردّت صنعاء على قصف الطيران السعودي بقصف مواقع سياسية واقتصادية مهمة في المملكة، وصولاً إلى جدّة... أمّا حلفاء وأتباع المملكة من اليمنيين، فقد قدّموا أداءً في غاية السوء والهشاشة: إلى درجة الاستسلام!

 

السعودية لم تكن يوماً طرفاً محايداً إزاء الأزمات اليمنية. هي الآن في ورطة تتزايد حدّتها بعد سيطرة صنعاء على مضيق باب المندب، ما حرمها من تصدير معظم نفطها بعد أن تفرّدت بتصديره عبر خط «شرق غرب»... هي الآن تبحث عن أطراف داعمة ولا تلقى الاستجابة المتوخاة من واشنطن وأطراف أخرى. الأحرى أن تعتمد الرياض سياسة حيادية وودّية، حيال كل الشعب اليمني، ما يجعلها حَكَماً لا طرفاً، وداعية سلام لا تصعيد.

 

في الشأن اللبناني، لن نناقش موقف القوى التي استمرت السعودية في تغذيتها من أجل الفتنة الداخلية. لن نتناول أيضاً موقف الفريق التنفيذي في السلطة والذي ساهمت، بتدخل سافر، في إيصاله إلى الحكم (أبو عمر الشهير!). السؤال هو للأطراف «الوسطية» التي أعلنت تضامنها دون تدقيق في المشهد وفي المسؤوليات. نستحضر، حكماً، استمرار التدخل السعودي في الشؤون الداخلية اللبنانية: في التعيينات والسياسات ومنع المساعدات… بما يعزّز الانقسام الداخلي اللبناني. نستحضر أيضاً التعسّف المتمادي في منع طرف لبناني وازن من ممارسة دوره السياسي الطبيعي في بلده، فيما يستمر حلفاؤه السابقون («السياديون» خصوصاً) في الصمت المريب حيال اضطهاده واستبعاده.

 

آخر الاخبار