عاجل:
آل سعود:  من تكتيك التردد في التطبيع إلى عرّاب إقليمي في موضوع التطبيع
حدث وتحليل 2025-05-15 09:05 1090 0

آل سعود: من تكتيك التردد في التطبيع إلى عرّاب إقليمي في موضوع التطبيع

وفي السياق نفسه، فإن تعميد المدعو أحمد الشرع إسرائيليا على أرض الحرمين الشريفين لم يكن مجرد خطوة رمزية، بل فعلٌ سياسيّ صريح يعكس نوايا ولي العهد في التقدم نحو التطبيع العلني دون مواربة. فإدماج شخصية ذات تاريخ محسوب على "الجهادية السنية" في ترتيبات التحالف مع (إسرائيل)، وتحت الرعاية السعودية، لا يعني سوى أن "المملكة" تسعى إلى صناعة مظلة دينية جديدة، تكون قادرة على تبرير التحالفات المستجدة أمام الجماهير، وعلى رأسها التطبيع. هذه الخطوة تمثل في الواقع انعطافة استراتيجية، تضع مملكة آل سعود في صدارة من يعبّد الطريق نحو "زمن عبري" مهيمن على المنطقة.

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع




                        بقلم عبد الرحمن الهاشمي 

في زيارته لمملكة آل سعود لا يتصرف الرئيس الأمريكي الأرعن دونالد ترامب وفق اصول العلاقات بين الدول، فالمملكة وملكها وولي عهدها وفلكلورها وقهوة ضيافتها التي لا تُحتسى امتهانا لها، كل ذلك بالنسبة اليه مجرد كوميديا يتفاعل معها بالسخرية والإستعلاء والتصريحات المهينة،  ثم هو لا يترصف حتى كرئيس دولة بل كسيد يستلم الجزية من عبيده ويأمر بتشغيل فائض الأموال في بلده تحت مسمى الاستثمارات. فكل الكلام على ان السعودية "حليف استراتيجي" و"الشريك الاستراتيجي" و"ركيزة الاستقرار"، هو محض نفاق سياسي، فواشنطن لا ترى في مملكة آل سعود سوى خزينة مال مفتوحة وعراب إقليمي مأجور نُعامل كزبون دائم للأسلحة، ممول جاهز لمغامراتهم، ومنفذ مخلص لمشاريعهم التطبيعية. وهي في حساباتهم مورد طاقة، وسوقًا، وأداة؛ لا شريكًا ولا ندًا فضلا على أن تكون حليفا! 
ليس انتهاب مال شعب بلاد الحرمين الشريفين من خلال الصفقات المفتعلة والتعاقدات الواهية في هذه الزيارة امرا جديدا، فالعالم كله كان يتوقع ان يعود ترامب من هذه الزيارة بغنيمة تفوق تريليون دولار، كما ان اسطوانة ولي العهد الممجوجة حول غزة والقضية الفلسطينية عموما كلام دبلوماسي زائف بلا اي اثر، يفرضه حفظ الصورة امام بعض العالم الاسلامي لا اكثر. لكن الجديد الجوهري في زيارة ترامب الأخيرة إلى مملكة آل سعود لا يكمن في الحلب المالي، بل في البعد السياسي الأعمق المتمثل في تنظيم لقاء غير مسبوق بين ترامب ورئيس الامر الواقع في سوريا المدعو أحمد الشرع، وهو ما يشير إلى تحوّل "السعودية" من مجرد رهان امريكي تتوسع به حلقة التطبيع إلى عرّاب إقليمي رسمي لملف التطبيع. 
فبتقديمها شخصية ذات خلفية (جهادية سلفیة) سابقة مثل أحمد الشرع إلى الواجهة، وقبول الأخيرعلنا بالمطالب الأمريكية وعلى رأسها الانضمام إلى "اتفاقات أبراهام"، تكون الرياض قد لعبت الدور المركزي في منح الغطاء الرمزي والديني لهذه الخيانة العظمى.  
هذا اللقاء لم يكن مجرد هامش على الزيارة، بل خُطّط له بعناية ليُشكّل لحظة مفصلية، إذ أن استعداد الشرع التطبيع مع (إسرائيل) بصفته "رئيسا" ذا مرجعية دينية وخلفية ((جهادية سلفية))، سيُستثمر داخليا وخارجيا لتمهيد الطريق أمام ولي العهد السعودي نفسه للانضمام رسميا إلى الاتفاق دون تكاليف سياسية كبيرة. 
بهذا، تنتقل "المملكة" من موقع التفاوض المشروط إلى موقع الترويج والتمكين لمشروع التطبيع الأمريكي في المنطقة، وتؤكد أنها لم تعد فقط متلقية للمبادرات، بل أصبحت أداة مركزية في إعادة هيكلة خريطة الشرعية السياسية والدينية في الشرق الأوسط، بما يخدم مشروع الإدماج الإسرائيلي في المنطقة بوصفه واقعا لا رجعة فيه. 
وفي السياق نفسه، فإن تعميد المدعو أحمد الشرع إسرائيليا على أرض الحرمين الشريفين لم يكن مجرد خطوة رمزية، بل فعلٌ سياسيّ صريح يعكس نوايا ولي العهد في التقدم نحو التطبيع العلني دون مواربة. فإدماج شخصية ذات تاريخ محسوب على "الجهادية السنية" في ترتيبات التحالف مع (إسرائيل)، وتحت الرعاية السعودية، لا يعني سوى أن "المملكة" تسعى إلى صناعة مظلة دينية جديدة، تكون قادرة على تبرير التحالفات المستجدة أمام الجماهير، وعلى رأسها التطبيع. هذه الخطوة تمثل في الواقع انعطافة استراتيجية، تضع مملكة آل سعود في صدارة من يعبّد الطريق نحو "زمن عبري" مهيمن على المنطقة. 
وبهذا السلوك تتكشف اكثر الأدوار الإقليمية الموكلة للأسرة الحاكمة في بلاد الحرمين الشريفين، كفاعل متآمر على قضية الشعب الفلسطيني، وهي تتحمّل قسطا كبيرا من المسؤولية في تردّي الوضع العربي العام، ليس فقط بسبب تقاعسها، بل بسبب مساهمتها المباشرة في دعم مشروع "الشرق الأوسط الجديد" كما يرسمه نتنياهو عبر تفتيت الجغرافيا، إعادة تعريف العداوات، وإقصاء فلسطين من المعادلة. 
ومع سقوط الدولة السورية كحائط صدّ إقليمي، وتراجع المحور الإيراني بفعل التطورات الدراماتيكية التي اعقبت عملية طوفان الأقصى، تتأهب مملكة آل سعود للعب دور حاسم في ترسيم هذا الزمن العبري، والمقابل السياسي الذي يُتوقع أن تجنيه الرياض من هذه الأدوار، لا يقل عن تسهيل وصول ولي العهد إلى العرش بلا عقبات دولية تُذكر. أي أن "صفقة التطبيع" الكبرى لا تجري فقط بين السعودية و(إسرائيل)، بل بين ولي العهد ومنظومة النفوذ الغربي، التنازل عن فلسطين والمساهمة في تنزيل مشروع "الشرق الأوسط الجديد"  مقابل الاعتراف به ملكا خلفا لأبيه. 
واللافت على هامش الزيارة وحتى قبلها حالة الصمت المطلق فلم يُسمع في الداخل السعودي أيّ اعتراض، لا من هيئة دينية، ولا من مثقف، ولا من تيار سياسي إن وُجد أصلا. هذا الغياب التام للصوت الآخر، يسمح للإعلام العالمي برؤية الوجه الحقيقي لمملكة آل سعود  كما هي..فضاء خانق لا يتحمل الاختلاف، حيث الحاكم يأمر، والمؤسسة تطيع، والناس تصمت. وهي البيئة المثالية لتمرير أكبر التحوّلات في هوية المنطقة، بعيدا عن أي رقابة شعبية أو مساءلة سياسية. 
إننا امام واقع (سعوديّ) لا يُعبّر في شيء عن طموحات شعب الجزيرة العربية، فكلّ مقدرات البلد وتاريخه ومكانته الدينية والرمزية وأصالة شعبه تُجيّر لصناعة مجد شخصي لولي العهد، ولو كان ثمن ذلك تبدد الثروات الوطنية وإضعاف الأمة وتمكين فاجر لعدوها التاريخي والوجودي..لاشيء يهم أمام شهوة الحكم ولوعلى أنقاض القدس، وعلى جثة القضية الفلسطينية، ودخول الامة في الزمن العبري.

آخر الاخبار