كنا في السابق نتحدث كثيراً عن أن مسؤولي آل سعود يعقدون اجتماعات مع الاسرائيليين هنا وهناك، وأن هذه اللقاءات سوف تفضي إلى نتائج كارثية على المنطقة، البعض كان يكذّب مثل هذه المعلومات حتى اعلام ال سعود نفسه، ولكن كما يقول المثل الشعبي "حبل الكذب قصير"، وها هي اليوم تنقشع الرؤية ويتضح تماماً ماذا كان يجري في الغرف السوداء المغلقة، عندما كانت هذه الأنظمة تدعي مساندتها للقضية الفلسطينية والدفاع عنها، ليتبين فيما بعد أن القضية تتعرض لطعنة سامة في الظهر، ولو لم يكن الأمر كذلك، ماذا يعني تطبيع الامارات والبحرين مع اسرائيل في منتصف ايلول، هل يعتقد احد ان هذا الأمر ممكن ان يحصل دون مباركة من ال سعود، بالطبع "لا"، لأن ال سعود أنفسهم ينتظرون اللحظة المناسبة لاعلان التطبيع مع العدو الصهيوني، ويبدو ان هذا الاعلان ليس بالبعيد، لطالما ان الطيران الاسرائيلي بدأ يخترق اجواء المملكة السعودية بموافقة من ال سعود، والوفود الاسرائيلية والامريكية لا تدخر جهدا في القدوم الى المملكة والاصطياد في الماء العكر.
ماذا يعني أن تنطلق اليوم أول طائرة تجارية اسرائيلية فوق الاجواء السعودية متجهة نحو الامارات؟، فالسعودية تراجعت عن عدم السماح لطائرات إسرائيلية بعبور أجوائها باتجاه دولة الإمارات، وذلك بعد اوامر من جاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أدت إلى السماح بذلك، وأكد هذا الأمر موقع قناة "24" الإسرائيلية. وحسب إذاعة الجيش الإسرائيلي "غالي تسهال"، حصلت شركة "يسرائير" الإسرائيلية على موافقة السعودية على مرور أول رحلة تجارية مقررة، الثلاثاء، بعد ضغط مارسته واشنطن على الرياض، وكانت السعودية فتحت أجواءها أمام الطائرات المغادرة والقادمة من "إسرائيل" إلى الإمارات والبحرين، وذلك بعد أن وقَّعتا اتفاقيتين لتطبيع العلاقات مع "إسرائيل".
وسبق أن ذكر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكثر من مرة، أن السعودية ستطبّع علاقاتها قريباً مع "تل أبيب"، وسط تأكيد سعودي بأنها متمسكة بمبادرة السلام العربية 2002.
عن اي مبادرة سلام يتحدث ال سعود، وهم وحلفائهم من نسف هذه المعاهدة، وبدأوا بتبرير انحيازهم نحو اسرائيل من خلال توجيه اتهامات للفلسطينيين أنهم ناكري للجميل وأن ايران تشكل خطرا عليهم، لذلك قرروا التحالف مع الاسرائيلي، على من يضحك هؤلاء على شعوبهم ام على انفسهم، فإيران التي يخشونها لم توجه رصاصة نحوهم ودعتهم للحفاظ على امن المنطقة الخليجية وتدعم فلسطين وشعبها، في المقابل اسرائيل تدمر الشعوب العربية وتفخر بذلك، وتحتل اراضيهم وتقتل الشعب الفلسطيني بشكل يومي، واذا بحثت عن اسباب تطبيع هذه الدول مع الاسرائيلي ستكتشف أن هناك سبب واحد، أنها دول تابعة لا تملك قرارها المستقل، لذلك هي مجبورة فقط ان تنفذ أوامر اسيادها، فهي بالأساس امارة أو مملكة وبالتالي الحاكم فيها غير منتخب من قبل الشعب ولذلك عليه ان يطيع من وضعه في المكان الذي يحتله اليوم.
ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يعلم هذه المعادلة جيداً، ويعتقد ان تنفيذ تعليمات صهر الرئيس الامريكي جاريد كوشنر عراب صفقة القرن ستكون هي المفتاح لوصوله للعرش، ولكن ليكن على يقين ان ذلك لن يحصل، فالسعودية نفذت كل ما طلبته منها واشنطن، بالمقابل لم تحصل على اي ميزة، فهي تقدم آتاوات فقط لبقائها في السلطة، ومن الغباء ان يراهن ابن سلمان على كوشنر وهو سيكون خارج السلطة بعد 6 اسابيع وبالتالي لن يكون له اي تأثير في السياسة الخارجية الامريكية، وفي حال أعطى ابن سلمان تطمينات لكوشنر فيما يخص صفقة القرن أو التطبيع مع اسرائيل سيندم على ذلك طيلة عمره.
ما يعلن اليوم ان زيارة كوشنر الى السعودية جاءت من اجل انهاء الخلاف الخليجي، ولكن هذا الكلام كذب محض، اين كان كوشنر طيلة سنوات الازمة الخليجية، لماذا لم يحل هذه الازمة قبل سنة او سنتين او ثلاثة، هل يعقل ان يحل هذا الخلاف قبل ايام من رحيله، إاذا هناك اسباب أخرى، تتعلق بمصالح كوشنر الشخصية وكذلك ترامب، والاهم ممارسة اكبر ضغط ممكن على ايران قبل رحيل ترامب، الذي فشل في دفع ايران نحو الاستسلام او الرضوخ، وها هو اليوم يذهب وايران لا تزال ثابتة على مواقفها، اذ ادرك ترامب ان العبث مع ايران ليس بالامر السهل، لذلك يحاول ان يقطف ثمار ضغطه على ايران من خلال ممارسة خروقات امنية هنا وهناك، ولكن هو نفسه يعلم ان ما يقوم به هو فقط بدافع الانتقام والفشل ولن يصل الى اي نتيجة مرجوة، لذلك على ابن سلمان ان يعي ان اي مغامرة يحاول ان يدفعه نحوها كوشنر ستكون كارثية على آل سعود كما هو الحال مع مغامرة اليمن والمستنقع الذي صنعه ال سعود وغرقوا فيه.