عاجل:
أهداف قمة البحرين الجديدة لم تحقق بعد 46 عام
حدث وتحليل 2025-12-11 09:12 1346 0

أهداف قمة البحرين الجديدة لم تحقق بعد 46 عام

4ــ يضاف الى ذلك، إن النظام السعودي وجد في هذا المجلس فرصة لتحقيق أهدافه التاريخية بالسيطرة او حتى بضم أجزاء من هذه الدول الى مجال تحكمه السعودية، او على الأقل وجد في هذا المجلس فرصة لفرض هيمنته على قرارات بقية الأعضاء، وهذا ما رفضته العوائل الحاكمة في بقية دول المجلس، وما عزز هذا الرفض هو وجود حساسيات وخلافات تاريخية بين تلك العوائل، بل ولطموح بعضها للعب دور إقليمي ودولي منافساً للدور الذي تلعبه السلطات السعودية نفسها، وكان وما زال في طليعة هؤلاء الأعضاء الذين يريدون لعب مثل هذه الأدوار قطر والامارات.

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

 

 

بقلم: عبدالعزيز المكي...

 

في الثالث من كانون الأول الجاري عقدت قمة دول مجلس التعاون الخليجي، في عاصمة البحرين المنامة، بحضور محمد بن سلمان ولي عهد السعودية، ومشعل الأحمد أمير الكويت، وهيثم بن طارق سلطان عمان، بالإضافة الى حمد بن عيسى ملك جزيرة البحرين، ومحمد بن عبدالرحمن رئيس وزراء قطر، ومنصور بن زايد نائب رئيس الامارات، وقد أثار غياب تميم بن حمد ومحمد بن زايد الكثير من تساؤلات المراقبين حول سبب هذا الغياب ومدلولاته السياسية...

وكما في كل عام تعقد فيه هذه القمة البائسة، تعاقب المتحدثون في القمة 46 في البحرين، ورددوا ذات الخطابات السابقة وذات الشعارات والأهداف والوعود بتحقيقها، والتي تتكرر كل عام وفي كل قمة، عقدت منذ تأسيس هذا المجلس عام 1981م ولحد اليوم، ومن هذه الأهداف والطموحات الوحدة الخليجية أو الاتحاد على غرار الاتحاد الأوروبي، توحيد العملة الخليجية مثل ما حصل في أوروبا (اليورو) وتأسيس قوة عسكرية ضاربة على غرار قوة الحلف الأطلسي، ثم التكامل الاقتصادي الى آخره من الوعود والأهداف العريضة والطويلة، لكن لحد اليوم!! لم تتحقق هذه الوعود والشعارات الفارغة، فالشعوب في الدول الخليجية تقول أنها لا تشعر بما يشعر به المواطن الأوروبي في الدول الأوروبية، حيث أزيلت أغلب الحواجز والمعوقات التي كانت تعيق تحركه في الدول الأوروبية، فهذا المواطن يتمتع اليوم بالتحرك بحرية تامة، كحرية التملك والانتقال وما الى ذلك، بينما المواطن الخليجي لا يتمتع في ظل هذا المجلس بـ 10 % من امتيازات المواطن الأوروبي في ظل الاتحاد الأوروبي، على العكس تماماً، مُنع القطريون من الذهاب الى الامارات بعدما توترت العلاقة بين الحكومتين القطرية والاماراتية، وكذا الأمر بالنسبة لتوتر العلاقات بين قطر والسعودية... فالمواطن السعودي وكذلك القطري ليس بمقدورهما الذهاب الى السعودية والى قطر بسهولة عندما توترت العلاقة بين آل ثاني وأل سعود، وأيضا الأمر سيان بالنسبة لمواطني الكويت وبقية دول أعراب الخليج ولحد الآن هذه المعوقات موجودة بالرغم من مرور 44 عاماً على تأسيس هذه المجلس، فعلى سبيل المثال وضعت السلطات السعودية في السابع من هذا الشهر شرطاً جديداً لسفر مواطنيها الى دول الخليج العربية، حيث أكدت المديرية العامة للجوازات السعودية اشتراط تفعيل جواز السفر بعد تجديده، ليتمكن المواطن من السفر الى دول مجلس التعاون! بينما حتى الأجنبي المقيم في احدى دول الاتحاد الأوروبي بإمكانه السفر الى أي دولة من دول الاتحاد بحرية تامة... أما المواطن الأوروبي فهو كما قلنا يتمتع بالحريات الأربع، حرية التنقل وحرية العمل وحرية الإقامة وحرية الاستثمار، تلكم التي الى الآن لا يتمتع بها المواطن الخليجي... أما على صعيد تشكيل قوة عسكرية مشتركة على غرار حلف الأطلسي، أي قوة خليجية فلم تتقدم هذه الدول خطوات ملموسة على الرغم من الاجتماعات واللقاءات العسكرية ثم الوعود الكثيرة بتشكيل هذه القوة، سوى الاتفاق على تشكيل قوات درع الجزيرة، وهذه قوامها من الجيش السعودي مع تشكيلات صغيرة جداً من القوات البحرينية، وهذه القوات وظفت في قمع الشعب البحريني وقتل أبناءه في ميدان اللؤلؤة في العاصمة المنامة2011، والى الآن تحتل هذه القوات البحرين بحيث أصبح بهذا الاحتلال تابعاً ومستعمرة سعودية!! أما على الصعيد الاقتصادي، فرغم تأكيد المسؤولين الخليجيين على هذا الجانب والادعاء أنهم قطعوا اشواطاً كبيرة على مستوى التكامل الاقتصادي بين أعضاء المجلس، إلا أن كل ما يتحدثون عنه لا يرقى الى المستوى المطلوب، فلازال المراقبون والباحثون الخليجيون يأملون بأن تكون هناك ارادات ونوايا حقيقية لتحقيق مثل هذا التكامل المنشود، ليس في القطاع الاقتصادي وحسب بل وفي القطاعات الأخرى، فعلى سبيل المثال عبّر عضو المكتب السياسي لتجمع الوحدة الوطنية المهندس عبد الله الحويحي عن تطلعاته الى ما ستخرج به القمة 46 لمجلس التعاون الخليجي، من قرارات مؤكداً "ضرورة العمل على بناء قوة عسكرية خليجية موحدة وتطوير قوات درع الجزيرة ليكون جيشاً واحداً للدفاع عن جميع دول المجلس مع تطوير البنية العسكرية لجميع دول المجلس والتعاون مع الدول الأخرى، العربية والإسلامية" كما دعا الى تطوير العلاقات الاقتصادية والأمنية بين دول المجلس، فيما المفروض إن هذه العلاقات قطعت شوطاً كبيراً من التكامل والتعاون بعد 44 عام، وبالإضافة الى عبد الله الحويحي البحريني، هذا الإعلامي والكاتب الصحفي الاماراتي عادل محمد الراشد يقول: إن كل الملفات العسكرية والاقتصادية والأمنية وغيرها طرحت على طاولة قمة البحرين، لكنه اعتبر "تطلعات ورغبة شعوب المنطقة في المزيد من الخطوات لتحقيق الوحدة الخليجية أكثر طموحاً وإلحاحاً، في ظل التهديدات والأخطار الخارجية، وارتفاع نبرة الدعوات الى الحروب واشعال الحرائق في مناطق متفرقة إقليمياً وعالميا، وحروب خفية أصبح لها صدى في الداخل من خلال التغلغل الإعلامي الرقمي بكل ما يحمله من سموم ودعوات الى الفتنة وتمزيق النسيج الشعبي الخليجي والعربي" على حد قوله... بدوره رأى الخبير الاستراتيجي الكويتي فهد حسن البذال رئيس منتدى وحدة الخليج ضرورة أن يكون هناك اتحاد كونفدرالي بين دول الخليج يقوم على أساسين هما أسواق مشتركة وحلف عسكري. وبعد ان تحدث مفصلاً عن الجانب الاقتصادي أشار الى الجانب العسكري قائلا: "الحلف العسكري بين دول الخليج يضمن سلامة دول الخليج من اعتداء خارجي، وذلك لتشكيل قوات مشتركة برية وجوية وبحرية مهمتها حماية دول الخليج من أي اعتداء خارجي" معتبراً أنه "اذا تم تكوين ذلك الحلف العسكري المشترك بين جيوش هذه الدول فأن تلك القوات المتحالفة سوف تكون أقوى الجيوش في المنطقة وما حولها" والى ذلك هناك دعوات وتحليلات كثيرة لخبراء خليجيين يتمنون فيها تحقيق الوعود والشعارات لهذا المجلس التي اعتبروا أنها الدافع الأساسي لتأسيس هذا المجلس!! أما لماذا أخفق قادة دول المجلس في تحقيق تلك الأهداف التي رفعت وبرروا بها هذا التأسيس، فهو يعود بنظري للأسباب التالية:

1ــ إن تأسيس هذا المجلس وأهدافه التي ظلت خفية لم يكن استجابة لإرادة شعبية او حتى طموحات لقادة دول الخليج، إنما أسس المجلس بناءً على توصية وجهد أمريكي كردة فعل على انتصار الثورة في إيران عام 1979م وذلك لتحصين شعوب دول المجلس من عدوى الثورة الإيرانية، بزراعة حواجز سياسية ونفسية لاحقاً بين هذه الشعوب والشعب الإيراني، وبالتالي منع انتقال مفاهيم الثورة الى تلك الدول، خصوصاً إن شعوبها، كما كل شعوب المنطقة كانت تواقة ومتلهفة للاطلاع على هذه الثورة وعلى مفاهيمها وقيمها وعلى كل ما يتعلق فيها، وهو ما اعتبرته واشنطن يومذاك أمراً خطيراً وتحدياً جدياً لنفوذها ومصالحها غير المشروعة، خصوصاً وأن من هذه المعطيات الجديدة للثورة الإيرانية، كسرها وتحطيمها لكل القيود وحواجز الخوف والتردد، عن التحرك، التي طوقها بها الأنظمة الموالية لواشنطن لمنعها من الانعتاق من الاستعمار الأمريكي والغربي معاً، ومن الاضطهاد الذي يمارسه عليها من أجل بقاء هذه الشعوب رازحه تحت نير الاستعمار والنهب الغربي لثرواتها...

2ــ في ذلك الوقت كانت واشنطن والغرب يفكرون بتجنيد دول الخليج العربية في مواجهة إيران، وذلك بقيادة ال سعود، فجاء هذا المجلس كخطوة لمنح القرار السعودي ثقلاً خليجيا من ناحية وللسيطرة على قرارات حكومات دول الخليج وتوجيهها دائماً في الاتجاه الذي يتطابق ويتماهى مع المصالح الأمريكية والغربية! ولعل المتابع يدرج ويفهم مسلسل هذه المواجهة السعودية ومن ورائها ضجيعاتها الخليجيات الأعضاء في هذا المجلس، بتوجيه من أمريكا وعلى كل الأصعدة، اذ لا يستوعبها مقال بل حتى كتاب أو عدة كتب... فقضية الإسلام الأمريكي وتلميعه الذي كانت السعودية تمثله في مواجهة الإسلام المحمدي الأصيل هي قضية معروفة، وتأسيس تنظيم القاعدة وحركة طالبان، وإنتاج الإسلام الدموي التكفيري المتطرف كل ذلك وغيره وتنظيم داعش  والنصرة، اعترف رئيس الوزراء القطري السابق حمد بن جاسم بأن قطر والسعودية أوجدت هذه المجاميع التكفيرية ومولتها وسلحتها وزجت بها في الساحات العراقية والسورية واللبنانية وأفغانستان وما اليها... كما إن المرشحة للرئاسة الأمريكية هيلاري كلينتون، وحتى ترامب الرئيس الأمريكي الحالي اعترفوا بأن واشنطن كان لها الدور الأساسي في إيجاد هذه المجموعات التكفيرية، بالطبع بالتنسيق والتعاون مع حكام هذا المجلس التعيس!!

3ــ صحيح إن واشنطن أشرفت على تأسيس المجلس، لكنها اسسته ليخدم مصالحها لا مصالح شعوب المنطقة، ولذلك هي مانعت من تحقيق الوحدة الخليجية لشعوب هذا المجلس، او تشكيل كتلة اقتصادية قوية نظراً للوفرة المالية ولإمكانات الاستثمار الهائلة، او تشكيل قوة عسكرية، حتى لا يتحول هذا المجلس الى نموذج تحتذى به بقية الدول العربية من جانب ولا يتحول الى كتلة عسكرية قوية يمكن أن تشكل تهديداً لأمن الكيان الصهيوني! ولذلك بقي تشكيل المجلس بشكل هزلي يُفعل كلما دعت الحاجة الأمريكية للقيام بفعل ما في المنطقة يخدم الأمن القومي الأمريكي ونظيره الصهيوني!

4ــ يضاف الى ذلك، إن النظام السعودي وجد في هذا المجلس فرصة لتحقيق أهدافه التاريخية بالسيطرة او حتى بضم أجزاء من هذه الدول الى مجال تحكمه السعودية، او على الأقل وجد في هذا المجلس فرصة لفرض هيمنته على قرارات بقية الأعضاء، وهذا ما رفضته العوائل الحاكمة في بقية دول المجلس، وما عزز هذا الرفض هو وجود حساسيات وخلافات تاريخية بين تلك العوائل، بل ولطموح بعضها للعب دور إقليمي ودولي منافساً للدور الذي تلعبه السلطات السعودية نفسها، وكان وما زال في طليعة هؤلاء الأعضاء الذين يريدون لعب مثل هذه الأدوار قطر والامارات.

على أساس هذه الخلفية يمكن فهم ما جرى في القمة الأخيرة ، فالملاحظ إن المتكلمين والخبراء أكدوا على أهميتها نظراً للتطورات الإقليمية والدولية التي تشهدها الساحتان الإقليمية والدولية، ومن أهم هذه التطورات هو تغيير مفاهيم الأمن والاقتصاد عند المنظر الأمريكي، حيث أصبح هذا المنظر يرى إن الأمن يجب أن يكون الدفاع عنه مشترك بين واشنطن وحلفائها، وكذا في الاقتصاد حيث يجب أن يساهم الحلفاء والعملاء في دعم الاقتصاد الأمريكي وتوفير فرص الاستثمار والتطور أيضا ولذلك شفط ترامب 2 تريلون من بقرته السعودية و3 تريليونات من بقية الأبقار الخليجية كقطر والامارات ومئات المليارات من الكويت والبحرين وعمان، أما مبالغ الاستثمار فقال ترامب أنها تساوي تريليونات! أما على الصعيدين الأمني والعسكري فترامب طلب منها صراحة أن تلعب دوراً مباشراً وفعالاً في الدفاع عن المصالح الأمريكية، وأن تتحمل عبئاً رئيساً في هذا الدفاع نيابة عن واشنطن ومصالحها في المنطقة، وذلك ما يفسر تركيز تلك القمة على اضطلاع دول الخليج بلعب دور إقليمي ودولي لما سمته حل الأزمات الإقليمية والدولية، والتحرك لحل القضية الفلسطينية، وبسط الاستقرار والأمن في المنطقة، بالطبع في إطار الاستراتيجية الأمريكية الترامبية الرامية الى بسط وإحياء وتكريس النفوذ الأمريكي الغربي الصهيوني في المنطقة!!

آخر الاخبار