عاجل:
"إذاً أنت تخبرني الآن أن الـ600 مليار ستصبح تريليون؟”..وفي ذلك كلّ الحكاية
حدث وتحليل 2025-11-19 14:11 967 0

"إذاً أنت تخبرني الآن أن الـ600 مليار ستصبح تريليون؟”..وفي ذلك كلّ الحكاية

تزامن الدفع المالي الهائل بينما لم تكن تداعيات قضية اغتيال جمال خاشقجي قد طُويت دوليا بدليل إثارتها من طرف مراسلة إيه بي سي نيوز في البيت البيضاوي موجهة اتهامها للأمير بناء على ما خلصت إليه أجهزة الاستخبارات الأمريكية بأنه هو من دبّر جريمة القتل الوحشية لصحفي، الأمر الذي منح الصفقة طابعا يوحي بأنها تُستخدم للتخفيف من الكلفة السياسية للجريمة.

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

 

 

 

         بقلم عبد الرحمن الهاشمي 

 

لا شيء يختصر مرارة اللحظة العربية والإسلامية كما تختصرها تلك الابتسامة الواسعة على وجه دونالد ترامب، لحظة قال له وليّ العهد السعودي إنه مستعدّ لتلبية “أغلى طلب في التاريخ”: 400 مليار دولار دفعة واحدة. لم تكن تلك محادثة دبلوماسية جافة، بل كانت أقرب إلى مسرحية هزلية بطلها رئيس أميركي يتعامل مع ثروات العرب كما يتعامل تاجر صفقات مع زبونٍ لا يملك ترف الاعتراض. وحين سأله ترامب، بنبرة التاجر الذي يعرف جيّدًا ما في جيب ضحيّته: "إذاً أنت تخبرني الآن أن الـ600 مليار ستصبح تريليون؟”، كان جواب محمد بن سلمان قاطعا، لا يحتاج إلى شرح: “قطعا”! ثم أطلق ترامب ضحكته السمجة: “أعجبني ذلك جدا" قبل أن يستطرد هذا عظيم عظيم، أقدّر ذلك .. نحقق أرقاما لم يسبقنا إليها أحد”.

هكذا، ببساطة، قُدِّمت مئات المليارات كما تُقدَّم هدية عيد ميلاد، لا بوصفها "ثروة أمة" ولا "احتياط دولة" ولا "مال أجيال"؛ بل بوصفها ثمنا لرضا واشنطن، ومفتاحا لبوابة العرش، وجواز مرور في دهاليز القوة الأميركية التي لا تمنح دعما إلا بثمن، ولا توقّع شيكا إلا بشيك أكبر وأعظم.

 

ولكن أي منطق دولة حديثة هذه التي يُقرّر فيها شخص واحد تحويل 400 مليار دولار دون اي مرجعية ضبط قانوني، دون مساءلة، دون نقاش عام، دون لجنة مالية، دون حسيب أو رقيب؟

في منطق الدولة الحديثة، القرار المالي يُناقش، يُقاس أثره، يُراقَب، يُراجَع، ثم يُصوّت عليه.

في "السعودية"، القرار المالي يُلقَى شفهيًا في رد على استجداء رئيس أمريكي وقح أمام العالم، فتنتشر أصداؤه في أسواق السلاح الأميركية، فتنتعش بوينغ ورايثيون ولوكهيد مارتن وكأن المملكة كُلّفت رسميًا بإنعاش الاقتصاد الأميركي وتوليد ملايين الوظائف للمواطن الأميركي، فيما يبقى المواطن "السعودي" أمام سؤال لم يجد جوابا يوما:

هل انتهى الفقر في المملكة؟ هل تم إعلان نهاية البطالة؟ هل ارتفعت جودة التعليم؟ هل انتهت أزمة السكن؟

الجواب يكمن في المقارنة الفاضحة؛ الوظائف تُخلَق في ديترويت وغيرها، بينما اعداد العاطلين في جدة والقصيم والشرقية لا تجد من يلتفت إليها لأن الأولوية هي تعزيز «الشراكة الاستراتيجية» وليس تعزيز المستقبل (السعودي).

 

يُقال عادة إن “المال السياسي” هو الوجه المعتم للعلاقات الدولية، لكن 400 مليار ليست مالا سياسيا، بل "جزية" معاصرة تُدفع علنا وتُسوَّق إعلاميا بوصفها “صفقة القرن” التي ستنقل المملكة إلى مصاف "الدول العظمى”. الحقيقة أنّها كانت رسالة ولاء؛ رسالة تقول لترامب إن وليّ العهد جاهز لتقديم ما هو أكثر من المال مقابل ضمانات أمنية وسياسية، ولإعادة نفخة الروح في شرعيته الدولية بعد الجريمة التي أودت بحياة جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده.

تزامن الدفع المالي الهائل بينما لم تكن تداعيات قضية اغتيال جمال خاشقجي قد طُويت دوليا بدليل إثارتها من طرف مراسلة إيه بي سي نيوز في البيت البيضاوي موجهة اتهامها للأمير بناء على ما خلصت إليه أجهزة الاستخبارات الأمريكية بأنه هو من دبّر جريمة القتل الوحشية لصحفي، الأمر الذي منح الصفقة طابعا يوحي بأنها تُستخدم للتخفيف من الكلفة السياسية للجريمة.

 

ثم إن سخاء الأمير الأسطوري ليس مفصولا عن حلم الرياض بالحصول على الـF-35، الصفقة التي يعرف الجميع أنها تمرّ أولا عبر ميزان المصالح في واشنطن وثانيا عبر سقف الطمأنينة في تل أبيب. لذلك بدا واضحا أن المليارات لم تكن معزولة عن محاولة خلق بيئة سياسية مؤاتية لانتزاع الموافقة الأميركية. وما إن طُرح أمام ترامب سؤال عن اعتراضات (إسرائيل) بخصوص الـF-35، حتى قدّم الجواب الذي يختصر كل شيء: "(إسرائيل) سوف تكون راضية عن ذلك". وهنا يتضح جوهر الصفقة؛ لم تكن مجرد امتداد للولاء التقليدي لواشنطن، بل انتقالا إلى مستوى أشدّ متانة من الارتهان؛ مستوى يجعل مئات المليارات شرطا لفتح بوابتين معا؛ رضى (إسرائيل) أولا، ثم موافقة البنتاغون الذي يحتكر قرار تسليم الـF-35 بوصفها أداة ضبط استراتيجي لا مجرد منظومة تسليح.

 

والسخرية الأكبر أن "السعودية"، الدولة التي تصور نفسها أنها تتصدّر العالم الإسلامي، بدلا من أن تتقدّم الصفوف في معركة كرامة الأمة،  تدفع ثمنا فلكيا اسطوريا لإقناع واشنطن أنّها “شريك موثوق”. وفي الواقع، لا وجود لشراكة أصلا؛ فكل ما تروّجه الرياض عن قوة ومكانة إقليمية لا يتجاوز وهما سعوديا، يقابله في واشنطن إدراك راسخ بأنّ الدولة السعودية ليست أكثر من كيان تسكنه الروح القبلية ويجب أن يبقى محصورا في دور مضارب النفط والغاز، منزوع السيادة، وتحت سقف الهيمنة الإسرائيلية بوصفها القوة المُحدِّدة لشروط الأمن في المنطقة. شراكة بين دولة تحتاج موافقة الكونغرس لبيع رصاصة، ودولة لا يحتاج حاكمها موافقة أحد ليحوّل ما يقرب من نصف تريليون دولار؟

 

لم تكن الصفقة مجرد حضور الرياض الاستثماري لإعادة تنشيط قطاعات تصنيع واسعة داخل أمريكا، بل صك تبعية متجدّد، واعتراف صريح بسيطرة واشنطن على كل تفاصيل الحكم، بما في ذلك حقها في التدخّل في تزكية خليفة العرش. كما مثلت قبولا ضمنيا بأن أساس السلطة ليس الشعب، ولا الشرعية الداخلية، ولا ثقة الأمة، بل رضا الإدارة الأميركية وحده. وهنا يكمن جوهر الانهيار؛ دولة غنية بالنفط، متوهمة بقوتها ومكانتها، عاجزة عن ممارسة أي سيادة حقيقية، مرهونة تماما لمزاج الرئيس الأميركي، وتتحوّل من ادعاء مركزية سياسية ودينية إلى مجرد تابع سياسي وخزانة نفطية تحت السيطرة الأميركية والإسرائيلية. وما حدث بالأمس ليس حادثة مفاجئة، بل تتويج لمسار طويل من الارتهان، حيث تُدار الدولة ومواردها الكبرى وفق مصالح الآخرين، وتظل السيادة الوطنية مجرد واجهة مزخرفة. وفي هذا الإطار، يعيش العالم الإسلامي لحظة تاريخية يعاين فيها سقوط ما كان يُسوّق بوصفه مركز الثقل السياسي والاقتصادي والديني، لتصبح المملكة مثالا حيًا على تحويل الدولة إلى أداة مالية وتجارية تُدار بلغة الدولار لا بلغة السيادة أو القيم والالتزامات السياسية والشعبية.

 

مهما قيل عن “رؤية 2030” و“التحوّل الوطني” و“عصر التنوير السعودي”، يبقى هذا المشهد أقوى من كل الدعاية.

فالدولة التي تُختزل في تذلل أمير وتحول 400 مليار استجابة لجشع أمريكي، لا تستطيع توفير ضمان صحي شامل لمواطنيها. والدولة التي تشتري رضا واشنطن بالمليارات، لا تملك الجرأة لتسأل: هل هذا المال كان أولى بالفقراء؟ بالمدارس؟ بالمستشفيات؟ بالمدن المهملة؟ بغزة المنكوبة؟بالجيران المدمرة بيوتهم؟ بالدول الفقيرة في العالم الإسلامي؟ 

لكن السؤال الحقيقي ليس اقتصاديا؛ إنه سؤال تاريخي: كيف ستسجّل الأمة الإسلامية أنّ أحد أكبر وأغنى بلدانها تحوّل إلى خزينة احتياط للرئيس الأميركي، يُنشّط اقتصاد بلاده فيما يتباهى هو بأنّه “أحبّ ذلك كثيرًا”؟ 

إنها لحظة مريرة، لا لتاريخ "السعودية" وحدها، بل لتاريخ أمة كاملة كانت تتوهّم أنّها ما زالت تملك دورا، فإذا بها تكتشف أنّها صارت مجرّد حساب مصرفي مفتوح في واشنطن.

ولعلّ المأساة الأكبر أنّ هذا المشهد لم يثر الغضب الرسمي في عاصمة عربية واحدة.

وكأنّ العالم الإسلامي كلّه أصيب بخدر سياسي، بلع الإهانة كما تُبلَع العناوين الكبيرة: “تحالف استراتيجي”، “شراكة كبرى”، “شرق أوسط جديد”.

 

في النهاية، لا يحتاج المرء إلى بصيرة ثاقبة ليدرك أنّ 400 مليار دولار - في لحظة نزق- لم تكن ثمن سلاح، ولا ثمن حماية، ولا ثمن تحالف. كانت ـ ببساطة ـ ثمنًا للسكوت الأميركي على كل ما حدث وما سيحدث.

وثمنًا لكرسيّ يريد المتطلع إليه أن يبلغه ولو بوضع كل مقدرات شعب الجزيرة العربية وحق أجياله القادمة في ماكينات الإقتصاد الأمريكي ورغد الشعب الأمريكي.

أما الأمة الإسلامية، فقد دفعت الثمن الحقيقي، ثمن الشعور بأنّ زمن الكرامة انتهى، وأن لحظة الذلّ التاريخي أصبحت تُدار على الهواء مباشرة، وبابتسامة ترامب الخبيثة.

آخر الاخبار