بقلم: فيصل التويجري
ليست من منظار الإدارة الأمريكية وحسب، فالملفات الشائكة والعالقة للسياسة السعودية على أكثر من صعيد استقرت عند مؤسسات أمريكية لم ترتهن تاريخياً لمن يدخل سيداً الى البيت الأبيض أو يخرج منه عند المحطات الانتخابية. حقيقة تترجمها على أرض الواقع مساع يقودها مشرعون أمريكيون للتصويت على وقف المساعدات العسكرية الأمريكية للرياض على خلفية لانتهاكاتها لحقوق الانسان داخل المملكة وفي حربها على اليمن. هذا فضلاً عن ذاكرة هجمات الحادي عشر من سبتمبر المثقلة أمريكياً مع تجدد ذكراها السنوية بشبهات ضلوع سعوديين أحدهم من مستوى عال في تدبيرها ولا يحول دون كشف هوياتهم سوى مهلة بلغت منتهاها ما ينذر بمنعطف محتمل على هذا الصعيد.
11 سبتمبر، انها الذكرى الأكثر ايلاماً، في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية الحديث، حيث تستحضر أرواح من قضوا في أحداث الهجوم الإرهابي على برجي التجارة العالميين، ومعا تستحضر أيضاً المملكة العربية السعودية. فثمة من يذكّر دائماً أن أغلبية المهاجمين جاؤوا من هناك وثمة من يرى ما هو أخطر، فالرياض رسمياً ضالعة في الهجمات وذلك من خلال ثلاثة مسؤولين يعتقد أن أحدهم رفيع المستوى.
وبحسب مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي، فقد قدم هؤلاء المساعدة لاثنين من منفذي الهجمات. فلما لا تبادر الأجهزة الأمريكية الرسمية لتتهم وتحاكم؟
السؤال المطروح سابقاً، هو ما تطالب به عائلات الضحايا ولا تكتفي بذلك بل تطالب برفع الحجب عن تقرير مكتب التحقيقات الذي أعد ملخصاً عام 2000 من أربع صفحات عن تحقيقاته بشأن ضلوع سعوديين رسميين في تنسيق الهجمات. اما لماذا تثار بين الحين والآخر قضية العلاقة المفترضة للسلطات السعودية بهجمات سبتمبر، فأمر يرده البعض الى الملف الثقيل للرياض فيما يتعلق بحقوق الإنسان الذي لا يقتصر على تلك البيئة الحاضنة التي أنتجت من هاجم في نيويورك وسوغ بل أنتج غطاءً فكرياً يسوق الجريمة ويلبسها لبوساً سياسياً بل ودينياً أحياناً بل يتعدى ذلك الى ما تفعله الرياض داخل أراضيها وفي جوارها اليمني ما يوفر وفقاً للبعض أسلحة مجانية للضغط على السعودية سواء لإضعافها ودفعها للارتماء أكثر لدى الإدارة الأمريكية أو دفع المزيد من الأموال لصفقات سلاح لا يستخدم غالباً.
السعودية اذن في مرمى انتقادات الكثيرين في واشنطن، خاصة أولئك الذين لا ينظرون بعين الرضا الى مقاربة إدارة ترامب إزاء الرياض وتحديداً ولي عهدها المتهور لذلك يلجأ هؤلاء ومن بينهم نواب وأعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي الى القنوات المتاحة لمعاقبة السعودية والتضييق عليها لكبحها أو على الأقل ليرخي ترامب قبضته التي يلوح بها في وجه من يهاجم السعودية بزعمها أنها تشتري السلاح وتوفر فرص العمل.
آخر هذه المحاولات كان الأسبوع الماضي، حين توجه نواب ديمقراطيين وجمهوريين لبدء حملة جديدة تهدف لحظر الدعم اللوجستي الذي تقدمه بلادهم لغارات ما يسمى بالتحالف العربي الذي تقوده السعودية في حربها على اليمن، وهو أمر ممكن في رأيهم، وذلك من خلال تعديل قانون السياسة الدفاع السنوي وإذا حدث ذلك، فبإمكانهم شل الحركة الجوية للتحالف السعودي في اليمن من خلال حظر قطع الغيار التي تحتاجها السعودية من أجل صيانة طائراتها. المقاتلة. ويتزامن هذا مع مطالبة عضوين بارزين في مجلس الشيوخ الأمريكي لمحمد بن سلمان بالوفاء بالالتزامات الإنسانية قطعها على نفسه بتقديم مساعدات لليمن تبلغ 750 مليون دولار، وهو ما لم يلتزم به، حين أن هذا المبلغ مهم جداً من أجل توفير أدوية أساسية ومساعدات غذائية لنحو 5 ملايين يمني مهددين بفقدان حقهم في مياه نقية للشرب ومعرضين بالتالي لخطر الإصابة بالكوليرا التي تفتك بأطفال اليمن.
لا يقتصر الأمر على اليمن فقط، فثمة قضية اغتيال الصحفي البارز جمال خاشقجي، التي ما زالت عالقة، ومع اقتراب ذكراها السنوية فان نواباُ وأعضاء في مجلس الشيوخ الأمريكي أصبحوا يطالبون علناً ابن سلمان بالاعتراف بمسؤولية السلطات السعودية الرسمية في بلاده بالمسؤولية إذا رغب في أن ينجو من ضغوط يعتقد أنها ستتكثف في مقبل الأيام.
في الختام يمكننا الجزم أن السعودية قد فقدت هيبتها وأهميتها الكبيرة لدى الأميركيين بعد تقلص اعتمادهم على نفطها، وهي مع ذلك تخسر يوميا أوراق قوتها الناعمة نظرا لقلة خبرة بن سلمان النظرية والعملية، ولكونه متهورا في تصرفاته كما يصفه بذلك أعضاء الكونغرس، كما أن كارثة مقتل خاشقجي لطخت سمعتها الدولية. فإلى متى سيظل حكماء البلاد يتركونها تهوي... خاصة أن ترامب قد يضحي بها مقابل صفقة بسيطة مع إيران؟