بقلم: فيصل التويجري..
يوم أمس كان يوماً مأساوياً للعرب، حين أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في خطوة أحاديّة الجانب، ولأول مرّة عن صفقة القرن او بما يصفها العرب بـ " صفعة القرن". وهي بالفعل صفعة قد توقظ الشعوب العرب بان فلسطين ستضيع من أيديهم ان بقوا يتفرجون على بعض أنظمتهم توافق عليها. بالأمس كانت دول الخليج حاضرة في "حفل" اعلان خطة ترامب للسلام. عمان، البحرين والامارات ومن خلفهم مملكتنا التي تستعد لدفع المال لبيع القبلة الأولى لليهود.
قد يقول البعض أن السعودية بالأمس لم تكن حاضرة، هذا صحيح الا أن الوقائع على الأرض تدل أن السعودية هي اللاعب الرئيسي في هذه الخطة وأن الامارات والبحرين وعمان ما هي الا أدوات إعلامية لموافقتها عليها. فمنذ وصول محمد بن سلمان الى ولاية العهد أصبح التطبيع مع "إسرائيل" يستند إلى خطط سياسية وإعلامية مدروسة، وقطعت الرياض شوطاً كبيراً في تهيئة الأجواء العربية للتعايش مع مرحلة جديدة عنوانها الأبرز سيكون "التطبيع الكامل مع إسرائيل". كما وساهمت خيبة آمال ولي العهد السعودي وفشله بمواجهة إيران في تقارب بلاده بشكل أكبر مع إسرائيل، وهو ما أظهرته الدلائل الواضحة خلال العامين الماضيين، التي تشير إلى التقارب السعودي الإسرائيلي، وأصبحت جلية للعلن. ولعل آخر هذه المؤشرات خلال الأسبوع الجاري (26 يناير 2020)؛ مع إعلان دولة الاحتلال الإسرائيلي السماح لمواطنيها بزيارة السعودية، لأول مرة في التاريخ، ما يؤكد جلياً ذلك التقارب.
هذا القرار سيسمح للصهاينة بالسفر إلى السعودية لتأدية الشعائر الدينية في أثناء الحج والعمرة، أو في إطار رحلة عمل لا تتجاوز 9 أيام. هذا المرسوم وان قامت السعودية برفضه اعلامياً عبر وزير خارجيتها الا ان الواقع يقول ان الإعلان لم يأتي من فراغ بل انه سيمهّد الطريق لتطبيع العلاقات بين تل أبيب والرياض وبالتالي خروج العلاقات بين البلدين من السر إلى العلن بعد عقود من العلاقات السريّة. هذا المسار الذي تعطّل في العقود السابقة وفق الوثائق الأمريكية والتقارير الإسرائيلية نفسه، سلك نهجاً آخر في حقبة ولي العهد الحالي محمد بن سلمان.
وفي هذا المقال سوف نقوم بذكر بعض مراحل التطبيع منذ وصول محمد بن سلمان الى ولاية العهد حتى يومنا هذا:
1ـ كانت بداية المؤشرات للتطبيع في 2017 حين قام دونالد ترامب بزيارة رسيمة الى السعودية وجرى الحديث حول صفقة القرن والسلام مع "إسرائيل". وفي ذلك الوقت قالت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن السعودية أوصلت لإدارة ترامب استعدادها لإقامة علاقات دبلوماسية طبيعية مع إسرائيل من دون شروط، وأنها بذلك تسحب من التداول المبادرة التي تقدمت بها للقمّة العربية عام 2002، التي تقوم على إقامة دولة فلسطينية على أراضي 1967، وعودة اللاجئين، والانسحاب من الجولان، مقابل الاعتراف بإسرائيل والتطبيع معها.
2ـ ليأتي اعلان محمد بن سلمان بعدها ليقول إن الإسرائيليين لهم "حق" في أن يكون لهم وطن، مضيفاً في تصريحات أدلى بها لمجلة "أتلانتك" الإخبارية الأمريكية: "أؤمن بأن لكل شعب، في أي مكان، الحق في العيش في سلام في بلاده".
3ـ الخطوة العلنية الثالثة كانت في شهر مارس من العام الماضي 2019، حينما اعترض رئيس مجلس الشورى السعودي، عبد الله بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ، خلال تلاوة البيان الختامي لمؤتمر الاتحاد البرلماني العربي في العاصمة الأردنية عمان، على توصية جاء فيها أن من أهم خطوات دعم الفلسطينيين وقف كل أشكال التقارب والتطبيع مع المحتل الإسرائيلي.
4ـ وفي أواخر العام الماضي أرسلت السعودية -أول مرة- منتخبها الوطني الأول لكرة القدم إلى رام الله، في أكتوبر الماضي، لملاقاة المنتخب الفلسطيني، ضمن التصفيات المزدوجة المؤهلة لكأس العالم لكرة القدم، وكأس أمم آسيا.
5ـ ولا يجب أن ننسى آخراً التطبيع الذي يقومه به الاعلاميين السعوديين مع الكيان الإسرائيلي، زيارات رسمية ومقالات سياسية دعما لإسرائيل ونذكر هنا ما قامت به يوم أمس الكاتبة السعودية سكينة المشيخص في لقاء لها مع قناة مكان الإسرائيلية وبحسب ما ذكرت صفحة "إسرائيل بالعربي" التابعة لوزارة خارجية الاحتلال الإسرائيلي، يوم الاثنين، قالت الصحفية والكاتبة السعودية سكينة المشيخص، في لقاء خاص مع قناة "مكان" العبرية: "لا توجد لدينا مشكلة سياسية مع إسرائيل. إسرائيل لم تطلق علينا حتى رصاصة واحدة".
في الختام لا يمكننا ان نقوم بذكر كل حالات التطبيع السعودي مع الكيان الإسرائيلي لان الصفحات ستطول وتطول. وبالتالي يظهر مما تقدم أن السعودية لديها بالفعل علاقات ودية عميقة مع الكيان الإسرائيلي كما أن قادة هذا الكيان يرون في بن سلمان سنداً لهم لتحقيق أحلامهم التطبيعية والتي كانت قبل سنوات احلاماً عصية المنال أما الآن فقد تبدلت الأحوال لكن شيئا واحدا لم يتغير هو تلك الفجوة الشاسعة بين سلام الزعماء وسلام الشعوب الذي يأمل الفلسطينيون ألا تحققه إسرائيل مهما حاول تروج لعكس ذلك.