كانت السعودية في يوم من الأيام واحدة من أكثر الدول نفوذاً في العالم العربي والاسلامي، فعندما كانت تأمر تطاع لا سيما بين الشعوب التي كانت تجهل حقيقة افراد آل سعود فتخدعهم الشعارات الرنانة حول الدين ووجود مكة والمدينة وكذا بين الحكومات التي كان حكام الجزيرة يقدمون لهم الرشاوى التي لا يقدمها احد.
لكن في السنوات الأخيرة، وبسبب الاستراتيجيات الخاطئة وسوء الفهم من حكام هذه المملكة في العالم الجديد وتوازن القوى في العالم، تحولت هذه الدولة من قوة دينية وسياسية واقتصادية مؤثرة إلى قوة صغيرة منزوية على نفسها ان قدرت على ذلك. ففي أزمتها مع قطر ورغم رفعها السقف عالياً واشترطتها على الدوحة تطبيق 13 شرطا من اجل إعادة العلاقات معها، لكن بعد 5 سنوات من الحصار، تراجع بن سلمان عن خطوته بالرغم من عدم تطبيق أي شرط من الشروط التي فرضها وهو ما يعني ان المملكة بحاكميها غير قادرة على فرض استراتيجيتها على العالم العربي كما في السابق. وفي الأزمة اليمنية، بدأت المملكة الحرب ضد أنصار الله بالتحالف مع أكثر من 10 دول، لكن بعد أكثر من 80 شهرًا على بدء الهجوم، بقيت السعودية وحيدة في اليمن كما ان حركة أنصار الله أصبح لها اليد العليا ميدانيا.
وفي الأزمة الأخيرة مع لبنان، اعتقدت السعودية انها تستطيع فرض عقوبات دبلوماسية شاملة على حكومة ميقاتي، واعتقدت انها عندما تفرض ذلك سيتبعها جميع العالم العربي، الا ان ذلك لم يحدث حتى في الدائرة الضيقة لها أي دول مجلس التعاون الخليجي، حيث رفضت كل من قطر وعمان القرار السعودي داعين الى الحوار بين الطرفين.
واعتقد بن سلمان أن الولايات المتحدة وفرنسا سترافقانه بلا شك في الحظر الدبلوماسي المفروض على لبنان، لكن هذا لم يحدث فحسب، بل أصرّت الولايات المتحدة والغرب على مواصلة عمل حكومة ميقاتي، حيث أكد وزير الخارجية الأمريكي انتوني بلينكن يوم أمس دعم بلاده لجهود الحكومة اللبنانية في إعادة ( الاستقرار )وتحقيق التعافي الاقتصادي والمفاوضات الجارية مع صندوق النقد الدولي وصولا إلى تنظيم الانتخابات النيابية. كما انه بالرغم من الضغط السعودي الكبير على الحكومة اللبنانية فان وزير الاعلام جورج قرداحي، الذي تقول السعودية انه السبب بالأزمة، لا يزال في مكانه ولم يقدم استقالته بل على العكس أصبح بطل قومي ليس فقط على الصعيد اللبناني بل على الصعيد العربي ايضاً.
ايضاً على الصعيد اللبناني، كانت السعودية في سابق الزمن تعين رئيس الحكومة اللبناني، وهي تريد اليوم بهاء الحريري الذي يمثل تطلعاتها في لبنان ان يتسلم رئاسة الحكومة، الا ان ذلك لم يحدث، حتى انه قبل عودة سفيرها الى الرياض كان سمير جعجع، رئيس حزب القوات اللبنانية، الشخص الوحيد الذي ودعه وهو ما يعني ان نفوذها قد تراجع كثيراً في لبنان.
في الختام تظهر هذه التطورات أن محمد بن سلمان، الذي وعد بتحويل السعودية الى اقوى قوة إقليمية في المنطقة على جميع الأصعدة، الا أنه بأخطائه المتكررة حول السعودية إلى قوة صغيرة غير قادرة على متابعة مصالحها وتغيير الحقائق لصالحها، حتى داخل حدودها. وعلى ما يبدو ان السعودية ستخسر نفوذها أكثر وأكثر في حال استمر الأمير الشاب في منصبه وربما تكون نهاية ال سعود على يديه في حال وصوله الى العرش في القادم من الأيام.