طلال حايل - التغيير
يقول أحد بيوت الشعر العربي المأثورة (إذا كان رب البيت بالدف ضاربًا.. فشيمة أهل البيت كلهم الرقص) وعلى هذا الأساس يمكن أنّ نقيس حالة الفساد المستشري في مملكة آل سعود، فإذا كان الفاسد الأكبر هو أمراء آل سعود، فكيف بنا ببقية الموظفين، وكيف لمجلس الشورى أن يُصدر قانون النظام الجزائي للاعتداء على المال العام، والذي يتضمن الحكم على من يثبت إدانته بالاختلاس أو السرقة من المال العام، الإلزام برد المال محل الجريمة أو رد قيمته، وأي مكسب ترتب من ذلك المال.
وفي هذا المقال الذي نوجّهه إلى مجلس الشورى(غير المنتخب) سُنلقي الضوء على بعض الاعتداءات على المال العام علّه يُباشر بتنفيذ القانون الذي أقرّه بنفسه، بدايةً؛ يُعرف العلماء المال العام بأنّه كلُّ مالٍ ثبتت عليه اليد في بلاد الإسلام، ولم يتعين له مالك خاص به، كما أنّه كل مال استحقه المسلمون، ولم يتعين مالكه منهم، وهو ملك لعموم المسلمين، ولا يجوز لأحد أن يستأثر به دون غيره سواء كان حاكمًا أو محكومًا أميرًا أو وزيرًا كبيرًا أو صغيرًا ذكرًا أو أنثى إلا بموجب مسوغ شرعي تقره الأمة عن طريق "نوابها المنتخبين".
فساد متجذر
وإذا ابتدأنا برأس الهرم فإنّ سلمان المُسمى زورًا وبهتانًا "ملك" لم يشرح أبدًا كيف ومتى حصل على المال اللازم لشراء منزل فاخر في لندن تصل قيمته إلى 28 مليون دولار أمريكي، أما ابنه الذي سنأتي على ذكره لاحقًا فقد أنفق أكثر من مليار دولار على شهواته!.
أكثر من ذلك فإنّ حفنة من الأمراء الكبار يسيطرون على مليارات الدولارات لا تدخل في الميزانية أبدًا، حيث يحصل أمراء هذه العائلة على مليون برميل من نفط البلاد يوميًا، توزّع عوائدها عليهم، وتقول مصادر مطّلعة للتغير إنّ أبناء وأحفاد عبد العزيز آل سعود يحصل كل واحد منهم على ما تصل قيمته إلى مليوني دولار في الشهر كرواتب، وبالإضافة إلى هذه الرواتب التي يأخذونها دون وجه حق ومن أموال الشعب؛ فيتم توزيع مكافآت تتراوح بين خمسة ملايين دولار وسبعة ملايين دولار.
ويقول مصدر في البنك التجاري للتغيير إنّ عدد من الأمراءً معروفين باقتراض المال من البنك وببساطة فهم أبدًا لم يسددوه، مما أدى إلى انهيار البنك التجاري الوطني، وبعدها يقومون بإجبار الملك أو ولي عهده على إصدار عفو عن تلك الديون، وبهذه الحالة تذهب الأموال أدراج الرياح، في حين إن أراد أحد أبناء الشعب الاقتراض من البنك من اجل مسكن او زواج او سيارة او محل يتكسب منه الحلال فيجب أن يمرّ بمراحل عدّة وأغلبهن لن يستطيع العبور.
ومن المعروف أيضًا أنّ أغلب حقوق الوكالات الحصرية للشركات الأجنبيّة هي محصورة في آل سعود، غير أنّهم لم يدفعوا أبدًا ثمن تلك الوكالات من أموالهم الخاصة، بل عمدوا إلى إجبار الشركات العامة على دفع تلك الوكالات أو على الإعانات الحكومية، بالإضافة إلى الاستفادة من التلفزيون الحكومي للترويج لتلك المنتجات، وبالتأكيد دون دفع أي مبلغ لقاء تلك الإعلانات، ولا يخفى على عاقل أنّ وزارتي المالية والشؤون البلدية ، كثيرًا ما تنقل الأراضي العامة إلى أمراء آل سعود، الذين يبيعونها بدورهم بأرباح ضخمة لمطوري العقارات.
شرطي ولص
أكثر من نصف مليار دولار دفعها ولي عهد آل سعود لشراء لوحة فنيّة، ومثلها دفعها لشراء يختٍ فاخر، ونصف هذا المبلغ دفعه لشراء لوحة أخرى، بالإضافة لمجموعة لا نهاية لها من السلع المصممة خصيصًا له، ناهيك عن الشقق الفاخرة في لندن وباريس، وبعد أنّ قلّ المال في يديه بدأ ببيع أكبر شركة في العالم "أرامكو"، ومع هذا كلّه؛ فإنّ أحدٌ لم يخطر بباله أن يسأل من أين له هذا، وهل مُقدرات البلاد تحت تصرفه حتى يبذرها كيفما شاء، وهل هيئة مكافحة الفساد مخصصة لعامة الشعب ومُستثنى منها آل سعود؟
قد يقول البعض أنّ ابن سلمان بدأ حملة لمكافحة الفساد وقام بسجن عدد من الأمراء ورجال الأعمال، وهنا نؤكد أنّه قام بهذه الخطوة لسببين، الأول والأهم هو محاولة لتعزيز السلطة وتهميش المنافسين المحتملين، وذلك باتباع نموذج يستخدمه القادة الاستبداديون على مدار التاريخ القديم والحديث، حيث استطاع ابن سلمان من هذه الخطوة من الإمساك بكافة خيوط اللعبة بعد أن سجن وجرّد كافة الأمراء المنافسين له من أيّة أموال أو سلطة.
أما السبب الثاني فهو جمع ما يستطيع من أموال حتى يتمكن من تعويض النفقات الباهظة التي ينفقها هنا وهناك لشراء التحف واللوحات واليخوت الفاخرة وما إلى هنالك من كماليات فيما تعيش غالبية الشعب في حالة فقرٍ مدقع.
أخيرًا؛ وبالعودة لما قاله مفتي آل سعود عبد العزيز آل الشيخ ذاته قبل ثمانية أعوام حين وصف الأخذ من المال العام بالـ "خيانة" والتعدِّ على حدود الله، وهنا من حقنا أن نسأل هل ينطبق كلام المفتي على مُشغليه من آل سعود، أمّ أنّ هذه الفتوى تختصّ بالعامة من المسحوقين، وإنّ كانت فتواه هذه تخصُّ الجميع فماذا ينتظر آل الشيخ ومحاكم آل سعود للتحقيق وسجن الآلاف من أمراء آل سعود واميراتهم الذين تسلّطوا على مُقدّرات البلاد والعباد؟، خصوصًا وأنّ القوانين التي سنّها آل سعود أنفسهم، والصادرة بموجب "مراسيم ملكية" لم تتضمن حتى الآن أي لوائح تنظيمية لعائلة آل سعود، كما ولم تكشف الأسرة مطلقًا عن مصادر دخلها، والمبلغ الذي يمكن أن يحصل عليه أفرادها من عائدات البلاد النفطية، أو كيف يُدبرون أساليب حياتهم الفخمة.