منذ وصول محمد بن سلمان إلى سدة الحكم في 23 يناير 2015، بدأت المملكة السعودية تشهد تغيرات على جميع الأصعدة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبسبب غياب الرؤية الواضحة للأمير الشاب غرقت البلاد في أتون الفوضى الداخلية، حيث لم يعد واضحا ما هي السياسة التي تنتهجها السعودية وماذا تريد على المستوى الداخلي والخارجي.
التحدي الذي دخله ابن سلمان غير محسوم النتائج ويميل للفشل أكثر منه للنجاح، خاصة على مستوى التغييرات التي تطال البنى المجتمعية والثقافية والقيمية، ومن غير الممكن تجاهل تداعياتها القريبة والبعيدة على المجتمع بمكوّناته قاطبة.
وحاليا هناك ظاهرة جديدة تسيطر على الحالة الاجتماعية للسعودية، تتمثل في ظهور "القوميين"، الذين برزوا بعد ابعاد رجال الدين عن الساحة الاجتماعية والاعلامية بهدف اظهار المملكة على انها تتبنى وجها جديدا، ولكن إن كان الوجه القديم متطرفا هل وجهها الجديد أقل تطرفا؟.
في الحقيقة معظم القوميين السعوديين هم من الشباب الذين ينشطون أيضا في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وأحيانا يتحدثون الإنجليزية. إنهم يرسمون خطوطًا حمراء جديدة يجب على الرياض الالتزام بها عند تصميم سياساتها.
لقد لعب هؤلاء دوراً في خلق توترات بين المملكة السعودية وكندا، ودعموا اعتقال الناشطات في مجال حقوق المرأة، ودعوا إلى عمليات الإعدام الواسعة النطاق للمعارضين السياسيين، وتبرير قتل جمال خاشقجي.
وفي ظل تضاؤل فعالية النظام الديني القديم في السعودية، أصبح القوميون يقودون الرأي العام الآن. ويعتقد الكثيرون أنه كلما زادت درجة القومية في السعودية، كلما أصبحت عقول وآراء مسؤوليها أكثر انغلاقًا.
إن السعودية في الوقت الحالي تشهد تغيرًا اجتماعيًا، وهي تنأى بنفسها عن الدين وتقترب من القومية، وفي الوقت نفسه، تشهد المملكة انخفاضًا في قوة المتطرفين الدينيين الذين قوضوا منذ فترة طويلة مصداقيتها وأمنها. لكن ضمن التغييرات الجديدة نجد ان السعودية تنتقل من تطرف إلى تطرف أشد، يتمثل بتفعيل "القومية" المتطرفة.
لا تسعى عملية القومية الجديدة في المملكة لإحداث عنف أو إنشاء خلافة عالمية مثل خلافة المتشددين السابقين مثل أسامة بن لادن، ولكن على أي حال لا تشكل "القومية الجديدة" تهديدًا حقيقيًا لسمعة المملكة فحسب بل لجيرانها العرب أيضا.
في الوقت الراهن يقوم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ومساعدوه من "القوميين"، سعود القحطاني وفريقه في "مركز الدراسات والشؤون الإعلامية"، بحملة واسعة النطاق ضد الناشطين والأكاديميين والشخصيات المؤثرة والشخصيات العامة، بهدف تغيير الوضع الاجتماعي للمملكة من القبلية الدينية إلى القومية الحديثة.
نتائج هذه القومية الحديثة كان واضحة في اعتقال النشطاء وتعذيبهم في السجون وقتل خاشقجي وحصار قطر والتدخل في شؤون السودان واليمن وسوريا ولبنان.
العوامل التي تسببت في احداث تغييرات في المملكة عديدة ومختلفة. لقد ساعد الولاء القديم للنظام الديني في السعودية، خاصة بعد حصار مكة عام 1979، على تقريب المجتمع السعودي من النظام الملكي. لكن مستوى التدين في السعودية آخذ في التغير، وقد قوض هذا الأمر القوة السياسية لرجال الدين الذين استطاعوا في السابق تعبئة أتباعهم بثقة عالية.
مع اضعاف الأعمدة الدينية والاقتصادية، تسعى الرياض الآن إلى استغلال القومية لتحسين علاقاتها المتوترة بين الحكام والشعب.
طبعا القومية السعودية مفهوم جديد نسبيًا. قبل العام 2005، لم يكن الملك عبد الله ملك السعودية قد اعترف باليوم الوطني للبلاد.
لقد بدأت العطلة في هذا اليوم قبل بضع سنوات فقط. نظر الملوك السعوديون عمومًا إلى القومية على أنها اقدام خطير لكونها تناهض النظام الملكي في الدول العربية، ومثال ذلك ما فعله الرئيس المصري جمال عبد الناصر.
لهذا السبب، سعى الملوك السعوديون إلى الحد من نمو القومية ومواجهتها. لكن الآن المملكة العربية السعودية تتبنى هذا المفهوم وهي راضيه على تأثيره على المجتمع.
الغاية الاساسية هي تغيير شكل النظام الديني من اجل الداخل والخارج ولكن التطرف سيبقى على ما هو عليه، وما حصل خلال سنوات حكم ابن سلمان كفيلة بتوضيح ما نتحدث عنه.
ونحن نعتقد بأن قلة خبرة ابن سلمان وتجربته في الحكم بالاضافة إلى سعيه لإبراز نفسه على حساب الجميع ساهم في اضعاف تشويه صورة المملكة في الشرق والغرب.