بقلم عبد الرحمن الهاشمي
في تقرير نشره موقع "ذا ميديا لاين" المتخصص في شؤون الشرق الأوسط بتاريخ 8 يونيو 2025، بعنوان "زيارة ترامب للرياض تعزز مسار محمد بن سلمان للعرش"، يعيد تسليط الضوء على نمط العلاقة الأمريكية- السعودية في ما بات يعتبر سٍمة راسخة في تلك العلاقة، ألا وهو التواطؤ العلني بين الدعم الخارجي والطموح الداخلي. فالزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الرياض في مايو الماضي، والتي اتسمت بإطراء شخصي مبالغ فيه للأمير محمد بن سلمان، يمكن اعتبارها رسالة "تطويب" أمريكية محسومة، تؤكد على دعم واشنطن لحلم بن سلمان في أن يُتوّج ملكا على العرش. بعيدا على أن يكون مجاملة سياسية فالخطاب الانفعالي المتذاكي، للرئيس ترامب يعبّر في جوهره عن مقايضة سياسية واضحة؛ شرعية تُمنح في واشنطن وتُموّل من الرياض، عبر صفقات بمئات المليارات تحت عناوين "استثمارات" و"تسليح"، تخدم بالدرجة الأولى مجمّع الصناعات العسكرية الأمريكية، وتكرّس نمطا من العلاقات يقوم على الحماية المشروطة، وعلى تثبيت الحكم بالولاء المدفوع لا بالإرادة الشعبية، وبثمنٍ باهظ يُستخلص من مقدرات الأمة وحقوق أجيالها القادمة.
وفقا للمنظور الكلاسيكي في العلوم السياسية، كما بلوره ماكس فيبر، تقوم شرعية الحكم على ثلاث ركائز أساسية: القبول الشعبي، والعدالة الاجتماعية، والاستقلال السيادي. غير أن النظام الحاكم في بلاد الحرمين يشكّل نموذجا معكوسا يعيد تركيب هذه المعادلة على أسس مقلوبة؛ إذ لا تُستمَد شرعيته من الداخل، بل تُستورد من الخارج، وتحديدا من واشنطن. فالرضا الشعبي يُستبدل برضا البيت الأبيض، والسيادة الوطنية يتم هتكها عبر الصفقات العسكرية المفروضة، فيما يتحوّل مفهوم الحكم من عقد اجتماعي مفترض إلى اتفاق حماية مدفوع الثمن، تُحدّد شروطه خارج الحدود وتأتي تبعاته على حساب السيادة الشعبية والكرامة الوطنية.
وتتجلى المفارقة الأكثر فداحة في أنّ النّظام الذي يرفع لواء حماية الحرمين الشريفين ويدّعي تمثيل الإسلام، لا يستند في شرعيته إلى عمق ديني أو رصيد شعبي، بل إلى موقعه الوظيفي في خدمة الاستراتيجيات الأمريكية. فمحمد بن سلمان، الذي يفتقر إلى أي مصداقية سياسية وطنية، لا يتطلع في مسعى
تثبيت موقعه كوريث للعرش إلى الشعب أو إلى أي مرجعية دستورية، بل إلى واشنطن، حيث يُمنح الغطاء السياسي لمن يفرط في الثروة الوطنية ولمن يلتزم أكثر بأجندات مشاريع الهيمنة. وهكذا تتحول الدولة من كيان سيادي إلى أداة وظيفية إقليمية مدفوعة الثمن، تُؤدى باسم الدين وتُدار بمنطق السوق.
هذا النموذج من الحكم لا يقتصر على تفريغ السيادة من مضمونها، بل يُحول الدولة إلى كيان شكلي فاقد للوجود الحقيقي، مجرد صنيعة تتبع مصالح خارجية لا تحكم بقرار مستقل. أما الشعب، فبدل أن يكون مصدر الشرعية، يتمّ إقصاؤه عبر قمع نخبه ومثقفيه، ويُوجَّه وعيه بعيدا عن قضاياه المصيرية نحو "ترفيه" سطحي ومبتذل يُستخدم أداة للعبث بوعيه وتحريف إهتماماته. وهكذا، تتحول الدولة إلى واجهة تُموّه واقع الاستعمار الجديد الذي يفرض على الشعوب أن تدفع ثمن ولاءات أنظمتها، وتفقد معها سيادتها ومستقبل أجيالها.
إن ارتهان النظام السعودي للحماية الأمريكية فرض تحوّلا داخليا جوهريا، جعل من القمع أداة ثابتة لا ظرفية، تستهدف كل من يعبّر عن وعي مستقل أو موقف سياسي معترض. فكل من لا يُساير الخطاب الرسمي القائم على التبعية وادّعاء الإصلاح والرؤيوية، من اقتصاديين مستقلين ك"عصام الزامل" إلى الحقوقيين والمثقفين والدعاة الصادقين، يجد نفسه في السجن وفي أقل تقدير خارج المجال العام، في نظام لا يتسع إلا للأصوات التي تبرّر استمراره.
أما خارجيا، فقد تحوّلت دولة آل سعود إلى نقطة ارتكاز متقدمة للمصالح الأمريكية–الصهيونية، ويُمثّل مسار التطبيع – ولو في مرحلته غير المعلنة – أصدق تعبير عن موقع النظام في خارطة المنطقة. فمن يدّعي حماية المقدسات، يفاوض في الخفاء على تطبيع مع من يحتلون القدس، ويجسّد بذلك واحدة من أعمق صور الانفصام السياسي والأخلاقي في تاريخ المنطقة الحديث.
الموقف الأمريكي من هذا النظام لا يُعدّ استثناءً في السياسات الغربية، بل يمثل نمطا متكررا؛ خطاب دعائي عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، يقابله دعم فعلي لأنظمة استبدادية تُقدّم ما تعتبره واشنطن أولوية والمتمثلة في خدمة المصالح الاستراتيجية. وفي هذا الإطار، تتحوّل الولايات المتحدة من "حامية للقيم" كما تدّعي، إلى شريك مباشر في ممارسات القمع، ونهب الموارد، وقمع تطلعات الشعوب نحو الحرية.
والأخطر من قمع الداخل، أن النظام المدعوم أمريكيا يؤدي دورا تخريبيا على مستوى الإقليم، إنه لم يعد مجرد تابع، بل أصبح أداة فعالة في إجهاض كل مشاريع التحرر. فكما كان رأس الحربة في إسقاط المشروع القومي العروبي بقيادة الراحل جمال عبد الناصر، عبر الإستنزاف والتحريض الإعلامي ورعاية التحالفات المضادة، ها هو يقوم بالدور ذاته ضد حركات المقاومة، وتحت شعارات محدثة كـ"مكافحة الإرهاب" و"تعزيز الأمن والاستقرار وخدمة السلام في المنطقة".
وجاءت الحرب على غزة لتكشف عمق هذا التموضع. ففي ذروة المجازر التي ارتكبها جيش الاحتلال بحق المدنيين، وقف النظام في صف حرب إستئصال قوى المقاومة، مستنكفا عن استخدام أوراق الضغط الاقتصادية التي يملكها لمنع تجويع الأهالي.
لم يكن هذا الموقف إلا تعبيرا فاضحا عن موقعه كعرّاب محلي لمشروع "الشرق الأوسط الجديد" الذي يقوده اليمين الصهيوني بقيادة نتنياهو، وتُروّج له واشنطن كمدخل لمزاعم "السلام الإقليمي".
في السياق الأوسع، لا يبدو النظام "السعودي" بعيدا عن الخرائط التي تُرسم في واشنطن وتل أبيب للمنطقة، بل هو جزء أصيل من بنيتها التنفيذية. وكل ما يصدر عنه من مواقف أو مبادرات لا يعكس إرادة وطنية مستقلة، بل دورا مرسوما بدقة في منظومة الهيمنة الغربية. لذا فإن إحتمالات التغيير الحقيقي لن تأتي أبدا من داخل هذا النظام، ولا من صراعات الأجنحة داخله، بل من خارج بنيته؛ من وعي جمعي استنهاضي يعيد الإعتبار لفكرة السيادة، لا كشعار، بل كمشروع وطنيّ تحرريّ شامل.