تستمر السعودية بقيادة ولي العهد السعودي، على نفس النهج الذي بدأت به مع وصول الأمير الشاب، ولكن مع محاولات القيام ببعض عمليات التجميل المؤقتة لإخفاء التشوه الذي ألحقه ابن سلمان بالبلاد وسمعتها؛ طبعا التشوه قديم ومتأصل ولكن ولي العهد أراد القول انه مختلف عن أسلافه ليتبين أنه أكثر اجراماً منهم، واليوم تعرض المملكة السعودية نفسها على العالم أنه بدأت تمتثل لأدنى متطلبات "حقوق الانسان"، لُتصدر قرارا ملكيا بإنهاء تنفيذ حكم الإعدام بحق المدانين الذين ارتكبوا جرائم وهم قصر، وتعويض الحكم "بالسجن مدة لا تزيد عن 10 سنوات في منشأة احتجاز للأحداث"، وسبق هذا القرار الأسبوع الماضي قرارا يلغي عقوبة الجلد.
القرارات صدرت ولكن على آل سعود اقناعنا بمدى مصداقيتهم بتنفيذ هذه القرارات، خاصة وانها مليئة بالثغرات التي تسمح لهم بالإلتفاف على هذه القرارات والقوانين واصدار ما يحلو لهم من قرارات وفقا لقوانينهم الخاصة، وهذا ما دفع الكثيرين للاعتقاد بأن الخطوة التي قام بها آل سعود ما هي إلا محاولة لتبييض صفحة ابن سلمان من جديد وصفحة المملكة كذلك، خاصة كم الاعتقالات التي نفذها ابن سلمان بحق أقربائه والمواطنين السعوديين لا تعد ولا تحصى، ناهيك عن الاعدامات التي شملت القُصر والنشطاء وغيرهم، وخلال عام واحد أعدمت السعودية 187 شخصاً في سابقة خطيرة لم يشهد العالم مثيلا لها.
من أهم ثغرات القرار الجديد أنه مفتوح على جميع الاحتمالات، خاصة وانهم لم يحددوا متى وأين وكيف سوف يتم تنفيذ هذا القرار، وهذا ما يؤكد أنه لايتعدى كونه "دعاية وبروباغندا" سلمانية للتستر على الجريمة الأخيرة التي وقعت في سجون المملكة، حيث فارق الحياة قبل أيام الناشط المعتقل الاستاذ الجامعي عبدالله الحامد بسبب الاهمال الصحي، وبهذا تبدأ الصحافة السعودية الرسمية التهليل للقرار الجديد ومدى اهميته ومدى الانفتاح الذي تحققه المملكة في ظل قيادة الأمير ابو منشار لتخفي وفاة الحامد في السجن، وبهذا يُسكت ابن سلمان الصحافة الغربية ويخفف من حدة هجوم المنظمات الحقوقية عليه.
طبعا هذا القرار الجديد لا يحل مشكلة "انتهاك حقوق الانسان" في السعودية، وانما هو حل جزئي مؤقت لمصالح شخصية تخص العائلة التي لم تعد تحظى بأي مكانة عالمية، بعد سلسلة الفضائح التي لحقت بها مؤخرا، ابتداءا باعتقال النشطاء ورجال الدين والدعاة وتعذيبهم في السجون والتحرش بالسجينات وليس انتهاءا باغتيال خاشقجي في قنصلية بلاده وتقطيعه وحرق جثته، ناهيك عن الجرائم التي تركتب كل يوم بحق المواطنين الابرياء في اليمن.
هل يعتقد ابن سلمان ان مثل هذه القرارات ستحول المملكة من بلد قمعي ديكتاتوري إلى بلد منفتح وحديث؟، هذا لا يحدث باستقطاب بعض نجوم الفن ونجوم الكرة واقامة بعض الحفلات الراقصة، لأن الحداثة والتغيير لا تبدأ من الخارج الى الداخل وانما من الداخل الى الخارج، وما يفعله ابن سلمان بالمملكة ما هو الا عملية اقحام تخالف عادات المملكة وتقاليدها والاهم انها تجري دون اي تمهيدات ضمن وسط شعبي محافظ له عاداته وطقوسه الخاصة، والأهم كيف لابن سلمان ان يقدم المملكة على انها بلد متحرر وحديث ومنفتح ولايزال يعتقل عشرات الأطفال والنشطاء والناشطات ويحاصر دولا ويعتدي على دول أخرى.
الأمر الملكي الجديد يُطرح في الاعلام بينما لا تزال السلطات السعودية تعتقل عشرات القُصر، منهم 6 أطفال من الشيعة تم اعتقالهم مابين عامي 2011 و2012، وتم توجيه تهم الارهاب لهم وحكم عليهم بالاعدام، فقط لمشاركتهم في مظاهرات سلمية، من بين هؤلاء، "محمد عصام الفرج"، من مواليد العام 2002 تم اعتقاله وهو في عمر ال 9 سنوات اثناء مشاركته في جنازة لأحد المواطنين الذين قتلتهم السلطات السعودية دون محاكمة، وهناك ايضا الفتى علي النمر الذي اعتقل في عام 2011 وهو يبلغ من العمر 17 عاما على خلفية مشاركته في احتجاجات سلمية ثم حكم عليه مع رفاقه بالإعدام في محاكمات وجهت لها انتقادات دولية حقوقية واسعة. والطفل مرتجى قريريص الذي اعتقلته السلطات السعودية في 2014 وهو يبلغ من العمر 13 عاما بعد مشاركته في مسيرة بالدراجات الهوائية ضمن احتجاجات تطالب بتحسين أوضاع حقوق الإنسان. ورغم عدم تنفيذ حكم الإعدام في حق النمر وقريريص بعد إلا أن السعودية تتجاهل مطالبات منظمات حقوقية بإطلاق سراحهما.
لطالما أن السعودية توجه لهؤلاء الفتية تهمة "الارهاب" فإن بإمكان السلطات اعدامهم، لان الامر الملكي الجديد، يستثني تهمة الإرهاب، وهذا يعني أن بإمكان السلطات السعودية توجيه هذه التهمة لأي شخص تريد اعدامه، وبالتالي يمكن القول ان هذا القرار شكلي الغاية منه التغزل بالغرب واسترضائهم بعد أن ارتفعت اصوات بعضهم في وجه تصرفات ابن سلمان.