بقلم: فيصل التويجري
هل هذه هي صورة المملكة العربية السعودية التي يريدها ولي عهدها الأمير محمد بن سلمان اصالها الى الجميع؟ دولة تتعقب وتعتقل وتقمع معارضيها ومنتقديها في الداخل، ليصل فيها الأمر الى تصفية الصحفي جمال خاشقجي داخل قنصليتها في إسطنبول. حيث لم يعد هناك مجال للشك بالنسبة للأمن التركي في ضلوع الرياض وأميرها في تصفية خاشقجي وهو ما نفاه الأمير الشاب وقنصليته في تركيا جملة وتفصيلاً. جريمة أطلقت موجة دولية بردود فعل غاضبة طالبت بالحقيقة كاملة وبالمحاسبة الجناة من الأكيد أنهم لم يتصرفوا من طلقاء أنفسهم.
ما هو مؤكد للجميع اليوم أن خاشقجي دخل مبنى القنصلية السعودية في إسطنبول نهار الثلاثاء الماضي ولم يخرج منها حتى اليوم. روايات كثيرة ظهرت حول مصير خاشقجي، فالسعودية تقول إنه دخل وخرج بعد أن قام بعمله، أما الرواية الأكثر ترجيحاً هو أن الرجل أختفى وربما قتل داخل المبنى نفسه. وتقدم المصادر التركية سرداً مطولاً حول القضية، حيث قالت إنه راجع القنصلية ولم يغادرها على "قدميه"، لاحقاً تضيف تفاصيل أخرى أنه بينما كان خاشقجي في المبنى وصل اليه 15 سعودي من بينهم مسؤولون كانوا قد دخلوا تركيا بطائرتين خاصتين، دخلوا بسيارات سوداء بزجاج معتم ثم غادروا المبنى بعد ذلك الى البلدان التي قدموا منها. أيضاً تفاصيل أخرى تضاف الى ما سبق، فخلال وجودهم تم التحقيق مع خاشقجي على الأغلب ثم عذب تزامنا مع التحقيق كما قال موقع ميدل ايست أي ثم تم تصفيته داخل المبنى نفسه، لتضاف بعدها تفاصيل أخرى حول جسده الذي قطع ارباً ارباً بحسب المصادر التركية أيضاً.
ويقول محللون أن الأسوء أن هذا الموضوع قد حدث خارج الحدود وضد مواطنين بعضهم أقرب الى النظام من المعارضة، وهو ما يعني ضيق صدر الأمير محمد بن سلمان الذي يهوي بالمملكة الى درك لم يحدث في تاريخها على الإطلاق. ويضيف هؤلاء أنه منذ صعود محمد بن سلمان وزيراً للدفاع فولياً للعهد والسعودية تتغير صورتها شيئاً فشيئاً، حيث كانت كالآتي " مملكة بالغة الثراء تنشغل نخبها بشؤون الصحراء والبذخ في الخارج، والى حد كبير تتجنب الحرج دوليا في الكثير من الملفات التي تعني العربية السعودية، ويعطف على هذا أن كل ملك من ملوك السعودية وسم صورة البلاد بشخصيته، ففيصل ليس فهد، والأخير ليس عبد الله وبالتأكيد ليس سلمان، لكنهم جميع باستثناء الأخير نأو بالسعودية ما أمكن عن التجاذب أو استفزاز بقية العالم أو عدم الامتثال للقوانين الدولية لكنهم أيضاً مارسوا العنف ضد معارضيهم وان كان بنسبة اقل مما يحدث اليوم.
الى أن جاء الأمير محمد بن سلمان، وأنتج صورة السعودية الجديدة بما فعل ويفعل، حيث بدأت الصورة بالاهتزاز الدراماتيكي باعتقالات الريتز، فلم تعد العائلة الحاكمة محصنة من الاعتقالات، ثم باستهداف التيار الإسلامي المعارض، فضرب ركناً آخر قامت عليه البلاد وانتهى به الأمر الى ما لم يحدث سابقاً وعلناً وبطريقة بالغة الفجاجة، هو الاغتيال وحدث هذا داخل السجون السعودية دون نفي رسميّ وخارجاً مع جمال خاشقجي إذا صحت رواية اغتياله.
ما هي الرسالة من وراء اغتياله؟
الترويع بالقتل، انها عنوان الرسالة التي يريد بن سلمان ايصالها الى كل معارضيه في الداخل والخارج، حيث من خلالها أعلن أنه سيستخدم جميع الأساليب حتى لو كانت ارهابية للوصول لأي معارض كان في أي مكان كان. وهنا يصف محللون كثر استغلال المملكة السعودية لحصانة بعثتها الدبلوماسية، بإرهاب الدولة الأقرب الى عمل العصابات وأنه بهذا ينتقل الى طور جديد تماماً في تعامله مع معارضيه.
ختاماً، نقول لبن سلمان أن لا جديد يذكر فيما فعلته مع خاشقجي وبالطبع لن يكون آخر من تمارس ضده هذه الاساليب المجحفة واللاإنسانية والتي تصل إلى حد التصفية الجسدية، فتاريخ بلادنا حافل بالاختطافات والاعتقالات والاغتيالات التي نفذتها السلطات السعودية تجاه منتقدي نظام الحكم في البلاد على مر السنين، وما هي إلا إعادة لتاريخ طويل من الإرهاب والقمع وكبت الحريات... وسياسة تكميم الأفواه ظلت ولا تزال تعاني منها الأطياف المستنيرة وشرائح أخرى متعددة من المجتمع السعودي التي لم تسكت في ذلك التاريخ عن المطالبة بحقوقها بالحرية ولن تسكت ايضاً في الأيام القادمة حتى لو دفعت حياتها ثمناً.