بقلم: فيصل التويجري
هل نحن بصدد إعادة صياغة للعلاقات الأمريكية السعودية؟ تسؤل يفرض نفسه مع دعوة مجلس الشيوخ الأمريكي السعودية بتغيير ما وصفه "سياستها الخارجية المتهورة"، جاء ذلك بعدما قرر المجلس وقف دعم عمليات التحالف السعودي الاماراتي في اليمن وتحميل ولي العهد السعودي مسؤولية جريمة قتل جمال خاشقجي. وفي المسار نفسه يتجه مجلس النواب الأمريكي الى مراجعة شاملة للعلاقات مع الرياض، كما يريد نوابه أيضاً وقف دعم الحرب في اليمن، لكن إدارة ترامب لا تزال على موقفها المدافع عن العلاقة مع الرياض. فما المآلات المحتملة لهذه المواقف المتباينة؟
ما عادت الأمور توارى ولا حتى توارب، "لن نعمل مع ولي العهد السعودي في أي حال، فاستدراج الناس والتخلص منهم نمط بالنسبة له"، عبارة يقولها أحد أعلى الأصوات في الكونغريس الأمريكي هو ليندسي غراهام، وفي حال خطر لهم وقف النفط للضغط، فيسخف غراهام ذلك ويقول "إنهم مضطرون لبيعه، اذ لا يملكون غيره وبدونه ستكون مجاعة". غراهام ليس الوحيد الذي يشن هجوماً على السعودية وال سعود، اذ يواصل رجال الكونغرس الأمريكي ذلك أيضاً، وقد صار بعضهم في حالة أمريكية نادرة رموزاً ونجوماً يباري حضورهم الرئيس نفسه، والقصة التي بدأت بقصة قتل جمال خاشقجي، فتحت أبواب العلاقات مع السعودية حتى تكاد تصبح على محك الاختيار بينها وبين ولي العهد وتلك إشكالية تتصاعد داخل المؤسسات الأمريكية وهي تتناقض مع بعضها بعضاً في النظرة والتقييم والمعالجة.
وبشأن التقارب بين أعضاء حزبيْ الكونغرس الجمهوريين والديمقراطيين في موقفهما المعادي للسياسات السعودية؛ يرى العضو السابق بالكونغرس الأميركي والعضو البارز في الحزب الديمقراطي جيم موران أن كلا من الحزبين حاول الوصول لأرضية مشتركة بينهما، واصفا هذا الإجماع بأنه يمثل لحظة تاريخية لصالح الكونغرس لاتخاذ موقف واضح ضد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. وأضاف موران أن الكونغرس توصل إلى نقاط هامة بخصوص سياسته مع الرياض، تتمثل في قناعة أعضائه بضرورة فرض عقوبات على محمد بن سلمان لكونه المسؤول عن جريمة قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، واتفاقهما على أهمية إنهاء الحصار المفروض على قطر، ومطالبتهم بإطلاق سراح كافة النشطاء السعوديين السجناء ببلادهم.
وأمام هذه الوقائع، كيف سيحسم الجدل بين الأطراف الأمريكية؟ وهنا لا يعرف أحد الإجابة، كما وهل ستتحول الجريمة والتعامل مع بن سلمان الى أزمة في أمريكا نفسها، ان ظل التباعد بين سياسة الرئيس والكونغرس، وفي الثنايا مؤسسات أخرى مثل سي أي إي؟ وهنا أيضاً لا جواب على ما سؤل. لقد قال مجلس الشيوخ كلمته بقرار موحد والخطوة اللاحقة في مجلس النواب ذي الغالبية الديمقراطية، حيث قد يجد ولي العهد السعودي نفسه في مواجهة الجسم التشريعي الأمريكي كله. وفي توطئة ذات مغزى، طالب ستة من جلس النواب الأمريكي بتعيين موعد فوري لمناقشة قرار مجلس الشيوخ المتصل بوقف الدعم الأمريكي للتحالف السعودي الاماراتي في حرب اليمن والكف عن دعم السعودية، فيما دعوه حربها الكارثية هناك في شبه موقف موحد مع مجلس الشيوخ الذي يحظى بتقدير معنوي عال وينظر اليه باعتباره حارساً "للديمقراطية والقيم الأمريكية".
في المقابل، وبعد اعلان مجلس الشيوخ عن قراره، واستعداد الكونغرس الأمريكي لتوجيه ضربة جديدة لبن سلمان، لم يظهر حتى الساعة موقف الرئيس الأمريكي، لكن وزير خارجيته، مايك بومبيو، أبدى احترامه لقرار السلطة التشريعية وقال أن الرئيس ترامب حريض على حماية الولايات المتحدة، وعلى محاسبة قتلة خاشقجي. وحول خيارات رد ترامب، يرى محللون أمريكيون أنه يستبعد أن يتخذ ترامب قرارا بإبرام اتفاقية جديدة لبيع السلاح مع الرياض أو حتى أن يقوم بزيارتها مجددا، ويعتقدون أنه سيتجنب التعامل مع بن سلمان لأنه أصبح يمثل "مادة كيميائية مُشعة" لا يُسمح بالاقتراب منها.
وهنا تبدو العقدة والحل، وهي مقاربة علاقة تاريخية قائمة على الاحتياج المتبادل ارتسمت معادلتها صارخة في العهد الترامبي بالمال مقابل الحماية. لكنها تدخل اليوم نفقاً بإدانة مؤسسات أمريكية هي جزء من الحكم لولي العهد السعودي ورفض ما يصفونها بسياساته المتهورة، حيث أضحى عبءً لا يوازي ما يقدمه أو يدفعه، كما ويهدد أيضاً وبرأيهم بقايا استقرار في منطقة هشة، أما الاستقرار الحقيقي خارج المصالح الأمريكية الخالصة في ذلك الشرق، هو بحث آخر دفعته الجريمة الصادمة من حلم شعوبه بالتحرر الى البحث عن مأمن من الموت تقطيعاً في قنصلية.