بقلم: فيصل التويجري
من حين الى آخر، تطوق المعلومات القادمة من تركيا الرواية السعودية والموقف الذب تتبناه من كل جانب وتحاصرها من جديد الذي يعيد مجريات التحقيق في تصفية الصحفي جمال خاشقجي الى سؤالين مركزيين وهما: أين هي الجثة، ومن هو الآمر الأصلي الآمر بقتل الصحفي السعودي. وما بات واضحاً أكثر من أي وقت مضى هو أن مديرة المخابرات المركزية الأمريكية عادت من زيارتها من تركيا بأدلة وتفاصيل إضافية عن ملابسات الجريمة ومن أمر بها، وأن أنقرة شاركت معلوماتها للأوروبيين ضمن خطوات تستبق اللقاء المرتقب في باريس بين أردوغان وترامب، عسى أن يسهم كل ذلك أن يدفع السلطات السعودية لتقديم اعتراف كامل يقدم أجوبة شافية عما بقي عالقاً من حقائق جريمة القنصلية.
ما يقارب أربعين يوما قد مرّ على اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده، ولا تزال معلومات جديدة تتكشف بشأن تفاصيل تلك الجريمة البشعة التي لا يقبلها أي عقل انساني، وأحدث هذه المعلومات ما كشفه مصدر تركي رفيع المستوى يوم أمس "مشاركة ثلاث فرق سعودية في عملية قتل خاشقجي"، حيث قال أنه "بالإضافة للفريق الذي تولى قتل خاشقجي كان هناك فريقين آخرين أحدهما للمراقبة والثاني للدعم"، وشار أيضا الى ما كشفه موظفو القنصلية السعودية في أنقرة حيث قال ان "إفادات موظفين بالقنصلية السعودية بإسطنبول منعوا من الصعود في الطابق الثاني من المبنى بمجرد دخول خاشقجي إليه في الثاني من تشرين أول أكتوبر الماضي وذلك بدعوى وجود اجتماعات دبلوماسية عالية المستوى تعقد في مكتب القنصل محمد العتيبي".
وحول التعاون السعودي في القضية التي شغلت العالم بأسره وأصبحت قضية عالمية بامتياز، جددت القيادة التركية عن أسفها من مستوى التعاون السعودي خصوصا فيما يتعلق بالإجابة عن السؤال الأهم أين جثة جمال خاشقجي، ففضلا عن خلو الإفادات المقدمة من المتهمين السعوديين والتي وصلت عبر النائب العام السعودي سعود المعجب من أي معلومات مفيدة لمسار التحقيق، فإن النائب العام نفسه أبلغهم بأنه ليست لديه أي معلومات عن مصير الجثة فيما بدا لافتا تأكيد السلطات السعودية عزمها دفع الدية الشرعية لعائلة جمال بما فيها خطيبته وكأن ما جرى مجرد قتل بالخطأ لا أكثر.
إصرار السعودية على عدم التعاون مع التحقيق التركي والمماطلة ومحاولاتها الحثيثة لحرف التحقيق عن مساره، دفع بالأتراك على ما يبدو ليختاروا الرهان على أطراف دولية فاعلة لكي تسهم في الضغط على الرياض لإكمال اعترافها الناقص بخصوص جريمة القنصلية، إذ أكدت مصدر تركية، اطلاع مديرة وكالة المخابرات المركزية الأميركية جينا هاس من خلال زيارتها الأخيرة لتركيا على كل المعلومات المتعلقة بجريمة مقتل خاشقجي بما فيها الأدلة التي تثبت أن الجريمة تمت بأوامر سعودية عليا وبأنها أي هاس خرجت من تركيا وهي على اقتناع كامل بالأدلة التي اطلعت عليها ورغم أن هذه المعلومات تثير تساؤلات عن سر صمت الإدارة الأميركية حتى الآن وعدم اتخاذها أي موقف في ضوء تقرير فإن المصدر التركي يرجح أن يكون اللقاء المنتظر بعد أيام بين أردوغان وترامب محطة أساسية في الموقف الأميركي من جريمة اغتيال خاشقجي.
وكما يقال إن الأمريكي لا أمان له وخاصة بوجود ترامب التاجر الذي سيسكت لمجرد أن يرمي له بن سلمان حفنة من الدولارات، دفع بتركيا الى التوجه أيضاً نحو أوروبا التي تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان، حيث قالت مصادر تركية أن الأدلة ذاتها قد نقلت الى دول أوروبية، وهي تنتظر اليوم موقفا بخصوصها خلال فترة قريبة. وفي حين تشييد هذه التطورات بأن السلطات السعودية باتت قاب قوسين أو أدنى من مواجهة الاستحقاقات الأصعب بخصوص اغتيال خاشقي فإن اللافت هنا لجوء أصوات سعودية مقربة من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى اللعب على ورقة التكلفة العالية كما ترى لأي مساس به حتى لو كشفت الأدلة وبشكل حاسم بأنه من أصدر الأمر بالقتل خاشقجي، فكل الوعود المنتظرة بتحقيق التنمية والانفتاح والإصلاح المنشود بل وحتى استقرار المنطقة بأسرها كل ذلك سيصبح في مهب الريح في حال تصاعدت المطالبات الدولية بتنحية ولي العهد السعودي وبتحجيم صلاحياته الواسعة وصولا إلى محاكمته بسبب مقتل خاشقجي فما يجري برأي المدافعين بحماسة عن الأمير محمد بن سلمان هو حرب وجود بالنسبة للسعودية يصبح فيها أي صوت ينادي بالعدالة من قتلة جمال خاشقجي ومن أصدر الأوامر لهم يريدوا خراب بلاد الحرمين.