بقلم: فيصل التويجري
هي ليست مجموعة قراصنة او جماعات خارجة على القانون او مارقة كما وصفها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في يوم من الأيام تلك التي قتلت الصحفي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول أواخر العام الماضي، أو تلك التي اخترقت هاتف مؤسس شركة أمازون ومالك صحيفة واشنطن بوست الأمريكية وقرصنت بياناته الشخصية، بل انها وفي كلتا الحالتين جهة رسمية سعودية بحسب ما خلص اليه المسؤول الأميني ومؤسس أمازون جيف بيزوس. هذه الخلاصة ربما تكشف سبب انزعاج الصحيفة التي نشرت الصور المقرصنة من هاتف بيزوس بعد علمها بإطلاقه تحقيقاً يهدف الى كشف الجهة المسؤولة عن هذه القرصنة.
جيف بيزوس، هو الرجل الأغنى في العالم والمؤسس لموقع أمازون العالمي، يستضم الرجل بمنطق القوة حين تتحلل من أي قيمة أخلاقية فيصمد بعد أن نزف الكثير، حيث سربت صحيفة أمريكية مقربة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صور فاضحة له مع صحفية أمريكية ورسائل له معها مما يؤدي الى القضاء على زواجه من الروائية الأمريكية ماكينزي بيزوس. وعلى ما يبدو أن الهدف قد تحقق منه وهو الانتقام منه بسبب استمراره في المطالبة، عبر صحيفته التي كان يعمل بها جمال خاشقجي، بمحاسبة محمد بن سلمان وفريقه الأمني المتورط بقتل جمال خاشقجي.
لكن الرجل صمد ولم يستسلم، حيث عين محققاً خاصاً لتقصي وقائع ما حدث معه ودوافعه لمعرفة ما اذا كان ثمة أفراد متنفذون أو دول قد كادت له وتآمرت عليه، فيخلص المحقق بثقة عالية على ما قال الى أن السلطات السعودية هي من اخترقت هاتف بيزوس بهدف الحصول على بياناته الخاصة، ولا يكتفي المحقق بهذه الخلاصة التي قال انها تحظى بتأكيد خبراء بل أشار الى أن ولي العهد السعودي يعتبر واشنطن بوست، وهي الصحيفة التي أطاحت بالرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون، عدواً رئيسياً ما يعني أن تغطية الصحيفة لاغتيال الصحفي جمال خاشقجي أوجعت محمد بن سلمان المتعطش للعرش، وأنه ربما أوعز أيضاً لملاحقة ناشرها.
كيف يمكن أن يؤذى الرجال؟ سؤال طرحه بن سلمان على مساعديه ومن بينهم المجرم سعود القحطاني الذي لا يزال يعمل تحت جناح بن سلمان بالرغم من ادانته بقضية خاشقجي. هؤلاء رءوا أنه في البداية لابد من معرفة اسراره الشخصية ان وجدت، ويتم هذا عبر عدة طرق منها اختراق هاتفه الجوال او حاسوبه الشخصي ومنهما يمكن الحصول على بياناته الخاصة وهذا ما حدث فعلاً، حيث اخترق هاتفه وعثر على رسائل خاصة جداً تتعلق به وبمذيعة سابقة قبل تسريبها الى الصحف. وهكذا كشف ارتباط الرجل بعلاقة خارج الزواج وتلك تكفي لإيذائه وتدمير حياته الزوجية.
ومن هنا مضى الرجل في التقصي نحو مصدر التسريبات، فتهدده الصحيفة التي نشرت الصور بأنه اذا لم يوقف التحقيق من أنها سوف تنشر المزيد من الصور الخاصة، لكن بيزوس يقاوم عملية اخضاعه وينجح في تحويل ما حدث معه الى قضية رأي عام، يتحدث علناً الى تحوله الى عدو للبعض وذلك في عدة تغريدات له عبر تويتر، وهناك آخرون بحسب بيزوس ممن تتناولهم تغطيات واشنطن بوست ويشير بالتحديد الى تغطيتها لاغتيال الصحفي جمال خاشقجي.
وهنا تجتمع أجزاء الصورة، فيتضح الهدف، وهو تدمير بيزوس لأنه تجرأ على بن سلمان ورفض كما رفض خاشقجي وغيرهم من أن يشترى، بل تجرأ وواصل عبر صحيفته التي يملكها تغطيته المكثفة لاغتيال خاشقجي، بل انه جعلها قضيته الأولى فالمسألة لا تتعلق فقط بكون القتيل أحد كتابها وحسب، بل بما تعتبرها واحدة من قيمها الكبرى وهي حرية الرأي والتعبير في مواجهة أي سلطة وأي نظام مهما تجبر.
وبحسب البعض فان بن سلمان استطاع وان بعناية كبيرة أن يبرد رد فعل البيت الأبيض على الاغتيال وتم ذلك بالكثير من الصفقات وبالذهاب بعيداً من أي سياسة يريدها ترامب انفاذها في الشرق الأوسط. لكن بن سلمان لم يستطع شراء مواقف ممثلي الرأي العام الأمريكي ولا الاعلام، فلجأ الى صديق على الأغلب للانتقام من بعض هؤلاء، ويرى هؤلاء أن سوابق ولي العهد السعودي تضعه في موقف المتهم فقد تورط مباشرة أو من خلال أصدقائه المتنفذين في أبو ظبي باختراق وكالة الأنباء القطرية في صيف عام 2017 ثم قاموا بتلفيق تصريحات نسبت لأمير قطر بما يبرر حصار بلاده ومحاولة احتلالها لا مجرد مقاطعتها وهذا شكل أيضاً من أشكال البلطجة أي استخدام القوة خارج القانون وفي أغلب الأحيان ضده أيضاً، بهدف كسر إرادة من يعتبر عدواً في معركة خاسرة أخلاقياً ولا تجلل أحداً بالعار سوى مفتعلها والبادئ فيها.