ازدادت الاتصالات السعودية الإسرائيلية في الآونة الأخيرة باتجاه فتح الباب لادراج الرياض مندوبين بصفة مراقبين في تركيبة مجلس الأوقاف الإسلامية بالقدس. هذا المسعى، والذي أمطت وسائل إعلامية إسرائيلية اللثام عنه، يلقى حماس في نفس رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ليس فقط لكونه يندرج في دعم خطة ترامب للتسوية، بل لكونه يتزامن مع سعي الحكومة الإسرائيلية لضم أراض في الضفة الغربية لمى يسمى بالسيادة الإسرائيلية وفقى ما بات يعرف بصفقة القرن.
هذا المسعى السعودي يراه متابعون بالغير البعيد أبداً عما يتكشف يوماً بعد يوم عن تطبيع بعض دول الخليج مع الكيان العبري، مؤكدين أن إخراجه للعلن مسألة وقت وانتظار للظرف المناسب. كما ان الفلسطينيين الذين يبكون كل يوم حرقة على القدس لن يقبلوا ولو بأي ثمن بالتسوية على القدس. فالتقارير التي تتحدث عن مفاوضات سرية بين تل أبيب والرياض من أجل منح السعودية موطئ قدم في القدس بزعم محاصرة النفوذ التركي المتنامي، قوبلت من قبل الفلسطينيين برفض وغضب.
وفي هذا السياق أكدت دائرة الأوقاف الإسلامية أن لا تغير على تشكيلة مجلسها، ولا في مكانة الأردن كراع ووصي على المقدسات في القدس. حيث أكد مفتي الديار في القدس، محمد حسين، ان "الوصاية على المسجد الأقصى المبارك والأوقاف الإسلامية في مدينة القدس هي حصرياً تنحصر في الأردن ولا تغيير اطلاقاً بتشكيلة مجلس الأوقاف".
ولأن صحيفة إسرائيل اليوم هي صحيفة موالية لنتنياهو، فان للكشف فيها دلالة واضحة، واهم ما فيه هو ان تل ابيب تراهن على موقف من الرياض داعم لخطط السلام الأمريكية ولمشروع ضم أجزاء من الضفة الغربية ومن ثم الحاق البحرين والامارات على الطريق نفسه. وفي هذا السياق قال بوعيز بيسموت، رئيس تحرير صحيفة إسرائيل اليوم ان السعوديين معنيين بالموضوع ويريدون دخول الأقصى ليس كأصحاب البيت انما كشركاء او على الأقل كمراقبين والمقابل هو القبول بصفة القرن.
وحول علاقة ذلك في صفقة القرن، يجب علينا العودة الى عام 1967، حيث يحاول الصهاينة منذ ذلك العام في إيجاد مدخل لهم للاشتراك في إدارة تلك المقدسات وهي الثغرة التي طالما حاول الإسرائيليون سدها لسنوات طويلة. وهكذا ظلت الأماكن المقدسة بالقدس خارج الصفقة، على الأقل من الناحية النظرية، حتى جاءت الصحيفة العبرية لتقلب الطاولة رأسًا على عقب وتميط اللثام عن المخطط السعودي لتحقيق حلم الإسرائيليين في إدارة الأماكن المقدسة بما يعبد الطريق أمامهم نحو تسريع هدفهم لإضفاء البعد اليهودي على تلك المقدسات في محاولة لسلبها وتجريد الفلسطينيين من حقوقهم التاريخية والدينية فيها.
ومما يعزز تلك الرؤية أن الاتصالات السرية التي جرت بين السعوديين والجانب الإسرائيلي والأردني لتشكيل هيكل إداري جديد لأوقاف القدس جاءت قبل شهر واحد فقط من إعلان ترامب صفقة القرن، وهو التزامن الذي يثير الكثير من التساؤلات الغامضة وإن أجابت عنها "يسرائيل هيوم" نقلًا عن دبلوماسيين سعوديين رفيعي المستوى.
أما الهرولة نحو التطبيع مع إسرائيل فلقد قطعت شوطاً كبيراً منذ أن اجازت الرياض للطائرات الهندية على خط تل أبيب بالعبور في اجوائها، وما أكده رئيس اركان جيش الاحتلال السابق عن وجود تنسيق امني واستخباراتي مع الرياض من اجل كبح العدو المشترك " ايران"، ويتقاطع ذلك مع رؤية لربط الموانئ الإسرائيلية على البحر المتوسط مع دول في الخليج مروراً بالأراضي السعودية ضمن ما يعرف بسكك الحديد السلام.
في الختام، تبدو تل ابيب اليوم وكأنها بوابة عبور لكل دولة تطلب دعم وحماية البيت الأبيض كما أن مقدار الاستجابة الأمريكية متعلق بحجم رضى إسرائيل عن سلوك هذه الدول سواءً في تأييد سلوكها او السكوت عنها خاصة تلك المتعلقة بالقضية الفلسطينية. وعليه وبالرغم غموض المشهد بشأن مدى دخول هذه الخطوة حيز التنفيذ، فضلًا عن غياب التفاصيل حيال طبيعة الدور السعودي المقترح، ومدى تجنبه لتهديد السيادة الأردنية، فإن مجرد التفكير في السير في هذا الطريق يضع القضية الفلسطينية في مأزق حقيقي ويسقط الشعارات الرنانة التي طالما رفعتها الرياض بشأن دعمها لحقوق الشعب الفلسطيني.