بقلم عبد الرحمن الهاشمي
لم تكن المواجهة العسكرية التي اندلعت بين إيران والكيان الصهيوني على امتداد اثني عشر يوما حدثا عابرا في مسار النزاعات الدورية التي تعيشها المنطقة، بل جسّدت لحظة فارقة في إعادة تشكيل توازنات القوة داخل النظام الإقليمي. فقد بدا واضحا أن الشرق الأوسط يدخل طورا جديدا من الصراع الاستراتيجي، عنوانه انحسار تدريجي في التواجد الأميركي، وتقدم مضطرد لأدوار دولية صاعدة كالصين وروسيا، مقابل عودة متوقعة لصعود محور المقاومة بقيادة إيران بوصفه الفاعل الأكثر تماسّا مع خرائط الاشتباك، من المتوسط إلى الخليج. وفي هذا السياق، لم تبرز (السعودية) بوصفها طرفا في الصراع، بل بوصفها حالة اختبار سياسي مزدوج؛ اختبار لاستمرارية الدور الوظيفي الذي اضطلعت به "المملكة" منذ عقود في خدمة مشاريع الهيمنة الغربية، واختبار لقدرة نظامها السياسي على التكيّف مع متغيّرات استراتيجية باتت تتجاوز أدواره التقليدية، وخطابه الدبلوماسي، وحتى طموحاته المستجدة.
منذ نشأتها الحديثة، لم تكن (السعودية) دولة طبيعيّة بقدر ما كانت دولة وظيفية. وقد تأسست وظيفة هذه "الدولة" على ثلاث ركائز؛ تأمين الموارد الطاقية للغرب، ضبط الإسلام السياسي السنّي بما يتماهى مع المصالح الأميركية، وتوفير الغطاء المالي والبشري لكل مشروع يستهدف القوى المناوئة للهيمنة الغربية، السوفييت، عبد الناصر وإيران. ومع اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979، تم تثبيت هذه الوظيفة عبر خطوط المواجهة الكبرى في أفغانستان، ثم لبنان، ثم العراق وسوريا واليمن، حيث كانت الرياض دائما طرفا في "الوكالة" عن واشنطن، دون أن تمتلك القرار أو القدرة على الخروج من حدود الدور المرسوم.
غير أن ولي العهد "محمد بن سلمان"، الطامح إلى وراثة الحكم بثقل استثنائي، لم يكتف بإدارة هذه الوظيفة بل سعى إلى توسيعها وتحويلها إلى مشروع قيادة فعلية للمنطقة في استغلال انتهازي للفراغ العربي، متكئا على علاقة خاصة بالإدارة الأميركية ثم لاحقا بالمنظومة الإسرائيلية، ومراهنا على تحوّل شامل يبدأ من الداخل عبر ما يسمى برؤية 2030، ولا ينتهي إلا بتطبيع شامل يعيد صياغة موقع السعودية في "نظام الشرق الأوسط الجديد". وفي هذا الإطار، شكّل العداء لإيران مكوّنا بنيويا في هندسة صعود ابن سلمان، ووظيفة لازمة لضمان أدائه ضمن محور الهيمنة.
فمع اندلاع المواجهة بين طهران وتل أبيب، حرصت الرياض على الظهور بمظهر المتوازن، إذ أدان وزير خارجيتها "الاعتداءات الإسرائيلية السافرة"، فيما اتخذ ولي العهد موقفا داعما في الشكل عبر مكالمة مع الرئيس الإيراني "مسعود بزشكيان"، أبدى فيها تضامنا مع إيران ودعا إلى وحدة الصف الإسلامي. غير أن هذه اللغة، مهما بلغت من لياقة دبلوماسية، لا يمكن أن تُخفي حقيقة أن "المملكة"، ومعها بعض العواصم الخليجية، كانت شريكا في عملية زرع البنية التجسسية الهائلة في الداخل الإيراني والتي استفاد منها العدوان الإسرائيلي المباغت، خصوصا في يومه الأول، من خلال تغطية مالية وتوفير تسهيلات لوجستية على مدى السنوات الماضية.
وعليه، فإن التصريحات السعودية لم تكن تعبيرا عن تبدّل استراتيجي حقيقي، بل هي ضرورات سياسية اقتضتها الحاجة إلى حفظ قنوات التواصل مع طهران بعد التطبيع بوساطة صينية، وتفادي انعكاسات مباشرة للحرب على أمن الخليج، دون أن يتخلّى النظام السعودي عن موقعه التقليدي ضمن المحور الأميركي–الإسرائيلي. فالعقل الأمني الذي يدير العلاقات الخارجية في الرياض لا يزال ينظر إلى إيران بوصفها خطرا طويل الأمد، وإنْ لطّف الخطاب تجاهها. والتطبيع مع طهران – إذا صح التعبير – لم يتجاوز حدود "تدبير الضرورة"، بينما ظلّ الانخراط البنيوي في مشروع إقليمي مستقل أمرا مستبعدا من قبل النظام السعودي.
لكنّ ما بعد الحرب ليس كما قبلها، فطهران خرجت من المواجهة بوضع استراتيجي فائق الأهمية، مسنودا إلى منظومة ردع أثبتت قدرتها، وتحالفات إقليمية أكثر رسوخا، بينما بدت السعودية وكأنها علّقت طموحاتها في منتصف الطريق؛ لا هي تمكّنت من تحقيق تطبيع علني مع (إسرائيل) كما كانت تأمل، ولا هي قادرة على التموقع بندّية في مواجهة طهران. والأسوأ من ذلك أن بعض حلفائها الخليجيين – كالإمارات وقطر – باتوا يتحركون باستقلالية نسبية، ما يجعل من فكرة "الزعامة الخليجية السعودية" مجرد طموح شخصي نرجسي بلا رصيد سياسي فعلي.
لكن الإحراج الحقيقي للنظام السعودي لم يأت من الميدان فقط، بل من الإدراك الشعبي المتزايد، في الخليج عموما وفي بلاد الحرمين الشريفين خصوصا، للفارق النوعي بين إيران؛ الدولة المقتدرة التي تبني أمنها بقدراتها الذاتية وتردع أعداءها على أرضها؛ وبين دول خليجية دفعت على مدار عقدين التريليونات، كان آخر قسط منها الخمسة تريليونات دولار ک"جزية" لحمايتها من طرف إدارة ترامب دون أن تبني أمنا حقيقيّا، ولا قدرة ردع مستقلة. هذا الشعور، الذي بدأ يتسلل إلى وعي المثقفين والجيل السياسي الجديد، يحمل نذر تحول في إدراك جدوى المظلة الأميركية وجدوى التحالف مع (إسرائيل) المهزومة، ويطرح – لأول مرة بشكل جدي – سؤال الأمن الخليجي الذاتي خارج الهيمنة. ليست هذه بعدُ رؤى مهيمنة، لكنها إرهاصات وعي قد تجد في الانتصار الإيراني الأخير مادة استراتيجية تذكيها.
وما يُروَّج له اليوم كتموضع إقليمي مستقل، ليس إلا تغليفا دعائيا لوظيفة سياسية ما زالت قائمة في جوهرها، وإن كانت فاعليتها تشهد تآكلا متسارعا في شرعيتها وأدواتها، تحت ضغط التحولات الجيوسياسية وصعود معادلات الردع المستقلة. فالنظام "السعودي" يواصل أداء مهامه التقليدية في خدمة المنظومة الغربية – تأمين أمن الطاقة، تطويق إيران والمقاومة، وتثبيت بيئة إقليمية منضبطة لمصالح الهيمنة– مستثمرا الإسلام كغطاء رمزي لوظيفته هذه. لكن المآلات تُنبئ بأن استمرار هذه الوظيفة بصيغتها الراهنة لم يعد ممكنا، إذ يوشك الزمن السياسي لـ"الحارس الإقليمي" أن يُطوى، تحت وقع التحولات التي فجّرتها الهزائم الإسرائيلية المتلاحقة منذ السابع من أكتوبر المجيد.