عاجل:
تداعيات المواجهة الإيرانية - الإسرائيلية على المال الخليجي: نحو تحرير للمال أم تواصل للإبتزاز؟
حدث وتحليل 2025-06-23 14:06 993 0

تداعيات المواجهة الإيرانية - الإسرائيلية على المال الخليجي: نحو تحرير للمال أم تواصل للإبتزاز؟

الأخطر من ذلك أن هذا التمويل بات يُستخدم بشكل غير مباشر لتثبيت التفوق العسكري الإسرائيلي، وتكريس واقع سياسي يُمهّد لشرعنة التطبيع، عبر رواية أمنية تختزل كل قضايا المنطقة في "الخطر الإيراني"، متجاهلةً جوهر الصراع، أي القضية الفلسطينية. وهنا يظهر الانهيار الكامل للموقف العربي: من دعم مقاومة الاحتلال، إلى تمويل تفوّقه، تحت وهم الحماية من "عدو مشترك"! في المقابل، فإن استمرار تجاهل الإصلاح السياسي الداخلي، وبناء مؤسسات رقابية فعلية، لن يجعل من الخليج شريكا فاعلا في أمن المنطقة، بل أداةً في معادلات يصوغها الآخرون. وأخطر ما في هذا التبعية أن ثمنها يُدفع من المصالح العامة، في غياب كامل للشفافية، وفي ظل خطاب داخلي لا يسمح حتى بطرح الأسئلة.

المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع

 

 

 

 

           بقلم عبد الرحمن الهاشمي

 

تتسارع فصول المواجهة المفتوحة بين إيران و(إسرائيل)، في مشهد يعكس تراجع الردع الإسرائيلي أمام صلابة الرد الإيراني المتصاعد. فالصواريخ الإيرانية، الدقيقة في إصابتها، كرّست تحوّلا نوعيا في توازن القوى، بينما بدا العدو متخبطا في ردوده. وعلى هامش هذا التصعيد، لا يمكن تجاهل الدور المريب لبعض الأنظمة الخليجية التي ضخت أموالا ضخمة في مرحلة سبقت التصعيد، تزامنا مع الزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى المنطقة في ايار 2025، وهي زيارة أعادت التذكير بالتحالفات التي تسعى لضرب الاستقرار خدمة لمصالح واشنطن وتل أبيب.

 

بعيدا عن التصورات المبالغة التي تربط كل حدث عسكري بما يُسمى "التطبيع الخليجي"، فإن العلاقة بين المال الخليجي وتطور الصراع في الإقليم مسألة تحتاج إلى تحليل هادئ ومتزن. فمن خلال رصد الأرقام الرسمية للصفقات التي أُبرمت خلال السنوات الماضية وانتهاءً بزيارة الترليونات، نلاحظ أن السعودية والإمارات وقطر تعهدت باستثمارات مشتركة في الولايات المتحدة بمئات المليارات، شملت صفقات تسليحية واتفاقيات طاقة وتكنولوجيا ومشاريع استثمار هائلة، لكن اللافت أن ترامب، بعيد عودته من زيارته للخليج في أيار 2025، صرّح في أكثر من مناسبة أنه "عاد إلى أمريكا بخمسة تريليونات دولار من دول الخليج الثلاث"، دون أن يوضح طبيعة هذه المبالغ أو آليات دفعها. ورغم أن الرقم لا يجد ما يدعمه في الوثائق الرسمية أو في بيانات وزارة الخزانة الأمريكية، إلا أنه يعكس، ولو في طابعه الاستعراضي، واقعا سياسيا واقتصاديا مقلقا، يتمثل في استعداد بعض الأنظمة الخليجية لضخ مبالغ هائلة مقابل "الحماية"، في ظرف إقليمي يتصاعد فيه التوتر مع إيران.

لا يمكن فصل واقع التدفقات المالية، عن سياق الحرب القائمة اليوم. صحيح أن الخليج لا يشارك مباشرة في أي من العمليات العسكرية الجارية، إلا أن غياب الرقابة المؤسساتية على هذه الأموال، وتوجيهها بمعزل عن مساءلة شعبية أو قانونية، يطرح تساؤلات حول وظيفة المال العام في السياسات الخارجية الخليجية.

فالمشكلة لا تكمن في حجم الصفقات بذاته، بل في غياب البنية القانونية والسياسية التي تُفترض في الدول الحديثة؛ فلا برلمان فعلي يناقش، ولا أجهزة تدقيق ورقابة مستقلة، ولا إعلام حر قادر على مساءلة من يُوقّع بالمليارات باسم "التحالفات الاستراتيجية". هذه الحالة تكشف بوضوح أن مفهوم الدولة لم يتبلور بعد في العديد من دول الخليج بوصفها منظومة خاضعة للقانون، تُحدد فيها السياسات الخارجية من خلال المؤسسات، لا من خلال حسابات الحكم الفردي أو الضغوط الخارجية.

 

في غياب هذه الرقابة، يصبح من السهل على القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، أن توظف هواجس بعض دول الخليج في ما تسميه "الخطر الإيراني"، لتبرير صفقات التسليح، وتعزيز وجودها العسكري، بل وفرض أدوار أمنية إسرائيلية على المنطقة بحجة "الدفاع المشترك". وهنا تأتي الخسارة الأكثر فداحة: التفريط الغبي في إمكانية بناء علاقة عقلانية ومستقرة مع إيران.

إن منطق الصراع الدائم مع إيران، الذي غذّته بعض الأنظمة الخليجية تحت ضغط خارجي، حرم المنطقة من فرصة تأسيس منظومة أمن إقليمي مستقل، لا تستند إلى الوصاية الأمريكية، ولا تفتح الأبواب أمام تل أبيب للتغلغل في المعادلات الخليجية. وحتى لو كانت هناك خلافات حقيقية مع طهران، فإن الوسيلة العقلانية لإدارتها ليست الاستعداء المستمر، بل إقامة جسور تواصل تحاصر الخلاف وتمنعه من التحول إلى أزمة مفتوحة تُستخدم ذريعة لابتزاز الخليج ماليا وأمنيا بل وسياديّا.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل ما حدث يوم الأحد 22 يونيو من استهداف أمريكي مباشر للمنشآت النووية الإيرانية، في عملية متهورة قد تفتح العالم على إحتمالات حرب مدمرة كبرى، وسط تخاذل دولي واضح سبق الضربة. فرغم أن هذه  الضربة ذات طبيعة استراتجية، فإن نتائجها، بحسب تقديرات منظمة الطاقة الذریة الإیرانیة ومعظم المراقبين الإجانب، لم تكن ذات أثر مقوّض لبنية المشروع النووي الإيراني، الذي أثبت قدرة هائلة على الإستعصاء. وقد جاء هذا الهجوم بتنسيق إسرائيلي واضح، بعد مأزق "تل أبيب" المتمثل في عجزها ضرب المشروع النووي الإيراني السلمي. وهو ما يحاول نتنياهو توظيفه سياسيا عبر تضخيم ما جرى، للإيحاء بأنه لا يزال ممسكا بزمام المبادرة، رغم أن وقائع الميدان تشير إلى عكس ذلك.

وفي ظل هذا التضخيم، قد تجد بعض العواصم الخليجية نفسها – مرة أخرى – عرضة للإبتزاز ، إذ يُطلب منها أن تموّل ما يُسوَّق على أنه "تحجيم للتهديد الإيراني". وستُعرض العملية الأمريكية الإسرائيلية، ولو بنتائجها الهزيلة، كجزء من مشروع أمني أكبر "لحماية الخليج". وهنا تحديدا تُستعاد اللعبة التقليدية: خلق خطر، ثم الإيحاء باحتوائه، ثم فرض الفاتورة باسم الاستقرار الإقليمي.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن واشنطن لا تحتاج إلا إلى لحظة توتر بين طهران وجيرانها كي تُتدفق عليها الأموال الخيالية مع الخليج تحت عناوين استثمارية خادعة ، ثم تسحب جزءا منها لاحقا لصالح (إسرائيل). وفي ظل هذا النمط المتكرر من التهديد ثم الابتزاز فإن إيران تصبح أداة أكثر منها خصما حقيقيّا، وتتحول بالغباء الخليجي من كيان إقليمي مندمج وحيويّ إلى عنوان دائم لتسويق الخوف وتضخيم الأخطار.

فإذا كان بعض العرب يعيبون على المواطن الأميركي دفع الضرائب التي تذهب، في نهاية المطاف، لدعم (إسرائيل) وتمويل حروبها، فإن المال الخليجي – من حيث الحجم والأثر – يفوق ذلك بكلّ تأكيد، لا لشيء إلا لأنه يُدفع طوعا، تحت شعارات الشراكة والحماية. وبهذا المعنى، يتم التهويل بالتهديد الإيراني إلى ذريعة لصناعة تبعية أمنية تستهلك الموازنات وتُفرغ القرار من مضمونه.

 الأخطر من ذلك أن هذا التمويل بات يُستخدم بشكل غير مباشر لتثبيت التفوق العسكري الإسرائيلي، وتكريس واقع سياسي يُمهّد لشرعنة التطبيع، عبر رواية أمنية تختزل كل قضايا المنطقة في "الخطر الإيراني"، متجاهلةً جوهر الصراع، أي القضية الفلسطينية. وهنا يظهر الانهيار الكامل للموقف العربي: من دعم مقاومة الاحتلال، إلى تمويل تفوّقه، تحت وهم الحماية من "عدو مشترك"!

 

من هنا، فإن الإشكال لا يكمن في اتخاذ موقف عدائي من إيران بحدّ ذاته، فهذا – نظريّا – يدخل ضمن حق كل دولة ذات سيادة في تحديد أولوياتها الاستراتيجية وفق مصالحها الوطنية. غير أن هذا التوصيف ينتفي حين نتحدث عن كيانات تفتقر أساسا إلى استقلال القرار، وتخضع بنيتها الأمنية والسياسية لهيمنة الخارج بما يخدم أولويات واشنطن و"تل أبيب".

في المقابل، فإن استمرار تجاهل الإصلاح السياسي الداخلي، وبناء مؤسسات رقابية فعلية، لن يجعل من الخليج شريكا فاعلا في أمن المنطقة، بل أداةً في معادلات يصوغها الآخرون. وأخطر ما في هذا التبعية أن ثمنها يُدفع من المصالح العامة، في غياب كامل للشفافية، وفي ظل خطاب داخلي لا يسمح حتى بطرح الأسئلة.

 

قد تكون مؤشرات الانكسار الإسرائيلي، التي بدأت تتراكم مظاهرها بعد الأسبوع الأول من المواجهة، فرصة لإعادة تقييم المسار الخليجي تجاه إيران، لا من باب المجاملة السياسية أو تبدّل الاصطفافات، بل من منطلق الحسابات الاستراتيجية الباردة. فالعقلانية السياسية تفترض أن الانحياز الدائم إلى طرف لم يعد يملك زمام التفوق، ويعاني أزمة ردع غير مسبوقة، لن يمنح الخليج أمنا ولا استقرارا، بل يُقحمه في معادلات خاسرة. إن بناء علاقة متوازنة مع إيران، كجزء من محيط إقليمي مشترك، قد يشكل أحد مفاتيح تقوية الموقع التفاوضي الخليجي، ويُسهم في تحرير قراره من الابتزاز الأميركي المتكرر، الذي لا ينفك يُعاد إنتاجه كلما تصاعد التوتر.

كما أن ضبط الإنفاق السيادي، وربطه برؤية وطنية شفافة، سيُشكّل ضمانة للأمن القومي أكبر من أي صفقة تسليح عابرة أو مظلة حماية استعراضية. فالمال، حين يتحرك بلا مساءلة، لا يصنع قوة حقيقية، بل يُعمّق الارتهان. وحين يُستخدم أداة ضد الجوار الإقليمي، فإنه لا يبني استقرارا، بل يفتح أبوابا جديدة للفوضى لا يمكن التحكّم بنتائجها.

فالمال، حين يتحرك بلا رقابة، لا يبني قوة بل يعمّق التبعية. وحين يُوظّف ضد الجار، فإنه لا يصنع أمنا بل يفتح أبوابا جديدة للخراب.

آخر الاخبار