بقلم: جمال حسن
وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل أيام على مرسوم يقضي بتعويض عائلات ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر الذي وقع عام 2001، في مسعى للحد من تنامي موجة الإنتقادات الداخلية والبرلمانية ضده لسبب دعمه المستمر للرياض خاصة فيما يتعلق بمبيعات السلاح المعقودة على سجل مثقل بالانتهاكات التي يرتكبها النظام السعودي في الداخل والخارج، خاصة فيما ترسمه آلة عدوانه على شعب اليمن؛ تلك التي تسلك مسار متطور يقوم على أساس مقايضة العرش بحزمة مصالح تجارية خاصة لا تعكس بالضرورة حاجة عسكرية ملحّة، بل بصفتها مصدر "درّ الأموال" وهو ما يدفع بترامب بإستخدام "الفيتو" لتجاوز قرارات الكونغرس الأمريكي للمرة ال23، مبرراً ذلك بأنها تشغل عجلة اقتصاد البلاد (صفقة واحدة أعلن عنها عام 2018، قيمتها 110 مليار دولار، قال ترامب إنها تؤمن 500 فرصة عمل ، ومن شأنها تشغيل مصانع السلاح لعقود، إضافة الى تأمين وظائف إضافية) فيما الأسلحة المباعة للمملكة هي مجرد خردة هشة لاتفي بالمطلوب.
وقد أعتبر الكثير من المراقبين أن توقيع الرئيس الأمريكي ترامب على مشروع أقره مجلس الشيوخ الأمريكي بموافقة 97 عضوا بالمجلس مقابل معارضة اثنين، يدعم قانون "جاستا" (قانون دعم دعوى رفعتها أسر 850 من ضحايا هجمات 11 سبتمبر و1500 من المصابين، ضد حكومة السعودية في تشرين الأول 2016)، حيث يقر بتأمين تمويل بمليارات الدولارات لصندوق التعويضات للمسعفين والجرحى الذين أصيبوا خلال هجمات 11 سبتمبر (2001) حتى عام 2092.
وقد قال أحد الخبراء العسكريين أن ما تدفعه الرياض لواشنطن ليس إلا أتاوة تدفعها من أجل حماية عرشها، فعلى سبيل المثال، فإن الطائرة أف 16، تدفع ثمنها نحو 200 مليون دولار بينما تسعّرها الولايات المتحدة ضمن المساعدة المقدمة لتل أبيب بـ30 مليون دولار، تكشف أن صفقات السلاح هذه أكبر من حاجة وقدرة الرياض على استخدامها واستيعابها، وهي بمثابة أتاوات تدفعها للإدارة الأمريكية مقابل مظلة الحماية السياسية والعسكرية، تلك التي عبر عنها ترامب بقوله "لولا الولايات المتحدة لما بقيتم أسبوع واحد على كراسيكم وعليكم أن تدفعوا". فموازنة الدفاع السعودية تعتبر الثالثة في العالم الى جانب روسيا، إذ أنها تصرف 72 مليار دولارسنوياً على الدفاع (هذا المعلن)، وقد فشلت في ردع مجموعة من الحفاة الجياع، يقطنون كهوف صعدة في شمال اليمن!!.
وتزامناً مع الحدث الجديد كشفت وسائل إعلام أمريكية أن خالد شيخ محمد، العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر، أبدى استعداده للإدلاء بشهادته ضد السعودية، مقابل عدم الحكم عليه بالإعدام، لمساعدة ضحايا الهجمات في دعواهم ضد الرياض، وذلك في رسالة وجهها محاميه الى المحكمة الفدرالية في منطقة مانهاتن، التي تنظر في الدعوى الجماعية ضد الرياض المقدمة باسم أكثر من 800 شخص من أقارب الضحايا والمتضررين من الهجمات.
ويقول البعض أن المرحلة الغابرة في العلاقة بين أميركا والسعودية المعروفة باتفاق "النفط مقابل الحماية"، تلك التي أقرّها لقاء فرنكلين روزفلت وعبد العزيز على متن الطراد كوينسي في العام 1945، بدأ بالاهتزاز وآيل الى الزوال ليحل محله اتفاق جديد يرسم حروفه ترامب بكل وضوح خلال خطاباته أمام أنصاره قبل وبعد دخوله البيت الأبيض قائم على أساس حرية التصرف بكل النفط والغاز السعودي، وما يقدّر من قيمة شركة " أرامكو" بحدود 2000 مليار دولار كدفعة أولى، أي "حرية التصرف الأميركي بكل النفط السعودي مقابل الحماية" وربما ثروة العائلة ايضاً في المستقبل القريب ليعودوا الى ركب الحمير وأكل الخمير واللحم الني والعيش في الخيام كما قالها البعض من وقت قصير.
التفكير الترامبي هذا دفع شبكة “سي إن بي سي” الأمريكية الى نشر تقرير لها يسلط الضوء على الثروة التي تمتلكها الأسرة السعودية الحاكمة بإعتبارها أغنى عائلة في العالم (عدد أفرادها 15 ألف شخص) والتي تصل ثروتها الى أكثر من 1.4 تريليون دولار، وأن غالبية الثروات لا يملكها إلا حوالي 2000 منهم. منوهة بأن نمط حياة العائلة المالكة السعودية يتسم بالبذخ الكبير، حيث يشمل طائرات خاصة ، يخوت فاخرة ، طائرات هليكوبتر عالية المستوى، شواطئ مترامية الأطراف وعقارات فخمة مزينة بالأثاث الذهبي، حتى أن علبة المناديل الورقية مطلية بالذهب، وفق شركة براند فاينانس للاستشارات التجارية.
ووفقاً لصحيفة “نيويورك تايمز” فأن ثروة سلمان المخرف تبلغ أكثر من 17 مليار دولار، وأن نجله محمد يملك أكثر من ذلك بكثير بعد وضع يده على أموال وممتلكات أمراء وشخصيات فندق الريتنز بالرياض العام الماضي، كاشفة عن شرائه لوحة “دافنشي” التي تبلغ تكلفتها 450 مليون دولار ، ويختًا بقيمة 500 مليون دولار، وقصرًا فرنسيًا بقيمة 300 مليون دولار. وإنه يمتلك منزلين في لندن ومجمع على الساحل الجنوبي لإسبانيا؛ وهو ما لا ينفيه ولي العهد خلال مقابلة مع شبكة “سي بي أس نيوز”، وقال إن "أمواله مسألة خاصة وأنه لا يحتاج الى الاعتذار عن أسلوب حياة مترف.. أنا شخص غني ولست شخص فقير. أنا لست غاندي أو نلسون مانديلا. أنا عضو في العائلة الحاكمة التي كانت موجودة منذ مئات السنين قبل تأسيس السعودية".
ويرى مراقبون أن السلطة السعودية لم تعد بمأمن ضمن اتفاق "النفط مقابل الحماية" بل عليها تسليم الرئيس الأمريكي السيد ترامب الذي قلب الموازين رأساً على عقب، حرية التصرف بالثروات السعودية جملة وتفصيلاً ليتسنى له حماية عرشهم المتزلزل داخلياً بشكل كبير، حيث كتب مايكل وولف في كتابه الذي هو قيد النشر بعدما سرب موقع "إنترسيبت" الأمريكي البعض منه، قائلا:" عندما قام الأمير السعودي محمد بن سلمان بانقلابه الفعلي ضد منافسه السياسي، قام ترامب بنسب الأمر لنفسه سراً بقوله لأصدقائه "لقد وضعنا رجلنا في القمة"، في إشارة منه الى أن الأمور يجب أن تسير حسب رغبته إن أراد سلمان ونجله الطائش البقاء في السلطة.
فرغم عشرات ومئات المليارات التي تدفعها المملكة لراعي البقر على شكل صفقات اسلحة خردة مكدسة في عنابير الجيش السعودي لا يعرف حتى كيفية أستخدامها، نرى ان نهم الرئيس الأمريكي للمال السعودي يزداد يوماً بعد آخر حتى أنه سرعان ما يتناسى أو بالاحرى يتجاهل ضحكاته ودبلوماسيته خلال لقائه مع سلمان ونجله أبو منشار بين الحين والآخر، ولم يعد يعرف للكلام الدبلوماسي طريقاً فيزمخر بالقول: "قُلت للملك سلمان لديك تريليونات من الدولارات ومن دوننا الله أعلم ماذا سيحدث.. السعودية معنا في أمانٍ تام، لكننا لا نحصل في المقابل على ما يجب".
رسالة واضحة يسعى ترامب من خلالها أن يُظهر السعودية دولة غير قادرة على الدفاع عن نفسها دون دعم أمريكي (وهي الحقيقة)، وهو ما فسرته وسائل إعلام بأنه إهانة متوالية متواصلة للرياض وعرشها، خاصة وأن الرئيس الأمريكي قد صرح مسبقاً، بأن هناك دولاً لن تبقى أسبوعاً دون الحماية الأمريكية، وأن عليها الدفع ثمناً لهذه الحماية.. نريد التصرف بكل شيء في المملكة.