قبل يومين وعد الخبير والمذيع الأمريكي "بيتر بول" في تقرير له على قناة "رشا تؤدي" بقرب نهاية سلطة آل سعود على الجزيرة العربية، داعياً الشعب اليمني الى مواصلة مقاومته الشجاعة بوجه العدوان الرباعي.
استوقفني التقرير هذا عند تغريدة لوزير الخارجية الأمريكي الجديد "أنتوني بلينكن" بخصوص اتصاله الهاتفي مع وزير خارجية آل سعود فيصل بن فرحان، وقال: السعودية "شريك مهم في مجال الأمن" بالنسبة لأمريكا، لكنه شدد على أن واشنطن ستفعل قضية حقوق الإنسان في إطار العلاقات مع الرياض.
وقد تم الاتصال بين بلينكن وبن فرحان في خضم قرارات الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن بوقف دعم بلاده للحرب على اليمن ووقف تسليح كل من السعودية والإمارات لدورهما الكبير في أكبر أزمة انسانية في العالم تشهدها المنطقة، والتي أودت بحياة عشرات الآف الأبرياء العزل.
قبل يومين من هذا الاتصال اعتبر وزير الخارجية الأمريكي بلينكن، وفي تصريحات مع شبكة "إن بي سي" الأمريكية، "مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي كان عملا مشينا.. وأن واشنطن تراجع علاقتها مع السعودية لتضمن اتساقها مع المصالح والمبادئ الأمريكية"!!.
هكذا هي السياسة الأمريكية تبحث عن مصالحها وأمنها القومي ولا يهمها إن كنت صديقاً أو حليفاً لها تبيعك بثمن بخس في أحلك الظروف التي أنت بحاجة اليها، ليست هي وحدها بل هذه سياسة الجبابرة والمستعمرين فلا ننسى ما فعلته واشنطن بين عشية وضحاها مع شرطيها في المنطقة شاه ايران ومن بعده خادمها صدام ثم الممتطى حسني مبارك و..هلم القائمة طويلة وعريضة.
بالأمس كان سلمان ونجله الأرعن من أقرب المقربين للإدارة الأمريكية التي إستحلبتهم بأكثر من تريليوني دولار خلال أربع سنوات مضت على يد الرئيس المخبول ترامب، واليوم جاء الدور ليرميهما خلفه بايدن في سلة المهملات ومزبلة التاريخ.
فترامب أطلق على الأنظمة الديكتاتورية الحاكمة في السعودية وأخواتها أنها بقرات حلوب وإستحلبها بقدر استطاعته فكانت فرص العمل من نصيب المواطن الأمريكي والبطالة والتضخم وفقدان السكن واتساع نطاق الفقر من نصيب الشعب السعودي وبعض أشقائه في البلدان الخليجية كالبحرين.
وقبل أربعة عقود دفعت السعودية ودول مجلس التعاون الطاغية العراقي "صدام حسين" الى مهاجمة جارته ايران عسكرياً حيث كانت ثورتها لا تزال فتية، وقدموا له مختلف أنواع الدعم المادي واللوجستي حتى وضعوا أراضينا تحت تصرف طائراته لإستهداف الطاقة والمراكز الحساسة في ايران، الى جانب دعمه على المستوى السياسي ايضاً.
فماذا كانت النتيجة بعد أن خسر صدام الحرب على ايران، ليلتف ويبتلع أكثر أخوته الذين دعموه في عدوانه ويهدد الآخرين بالاحتلال وحصل ما حصل من إجرام ومصائب للشعب الكويتي الشقيق، دفع أمراء آل صباح الى عض يد الندامة على كل ما فعلوه لصدام.
واليوم يتكرر نفس المشهد ولكن بتغيير اللاعب من العراق الى امريكا، لكن النتيجة واحدة الاستحلاب تم على قدم وساق وخاب أمل سلمان بإعتلاء ولي عهده العرش حيث المانع الأساس كان ولا يزال البيت الأبيض أقرب المقربين في كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري ليطلبا بضرورة محاكمته في المحكمة الجنائية الدولية على كل جرائمه في الداخل السعودي والحرب على اليمن وقتل خاشقجي.
ويتكرر هذا السيناريو مرة اخرى دون أن يتعض آل سعود مما جرى ويجري عليهم بلجوئهم الى الخارج ودفعهم عشرات بل مئات مليارات الدولارات لشراء ذممهم وأمنهم وبقائهم في السلطة، فيما كان ولا يزال بإمكانهم إنفاق هذه أموال البترول الطائلة على بناء بلاد الحرمين ورفاهية شعبها ومشاركتهم في القرار السياسي، ليكون السند المنيع أمام مخططات الأعداء وداعماً رادعاً لبقائهم.. لكنهم لا يفقهون.
فقد كشفت صحيفة "Jewish Press" الصادرة في نيويورك عن مساعي "محمد بن سلمان" لتكثيف التعاون مع الكيان الصهيوني، بغية دعم أمنه وضمان عرشه والعمل على إنجاح "رؤية 2030" التي ولدت ميتة، وهو مستعد حتى للذهاب في الاعتراف مباشرة بالدولة العبرية شرط بلوغه الملوكية في بلاد الحرمين.
فهرولة ابن سلمان نحو التطبيع مع كيان الاحتلال الإسرائيلي ليس بالأمر الجديد، خاصة وأن العلاقة بين بني سعود وأبناء عمومتهم بني صهيوني قائمة منذ بدايات القرن الماضي إستناداً لوثيقة جده المؤسس "عبدالعزيز" للضابط البريطاني “بيرسي كوكس” سنة 1915 عندما منح فلسطين لـ"اليهود المساكين" لتكون موطناً لهم؛ وكما قال المثل "وهب الأمير ما لا يملك".
ولكن ما هو مضحك في القضية هو أن العدو الصهيوني وطيلة القرن الماضي ورغم إستفادته الكبيرة وعلى عشرات المراحل من دور آل سعود في خيانة القضية الفلسطينية كلما بلغ السيف الإنتقام رقابهم، هو أنهم يمتطون الحليف ويسخرون منه ويحتقرونه في وسائل اعلامهم وتصريحاتهم السياسية وحتى في لقاءاتهم الثنائية.
وهنا وبالحرف الواحد تنطبق مقولة الكاتب الإسرائيلي "شاي جولدبيرغ" حيث كتب يقول: "لقد لاحظت أن نسبة الحكام العرب وفي مقدمتهم الخليجيين الموالين لإسرائيل تتضخم بصورة غير منطقية .. أنا كيهودي عليّ أن أوضح نقطة مهمة: عندما تخون أنت كعربي أبناء شعبك بآراء عنصرية صهيونية .. فنحن نحبك مباشرة .. لكن حبا كحبنا للكلاب..".
ليس هناك ما هو أسوأ من التوجه الى الخارج والاعتماد على القوى الكبرى لضمان عرشك وسلطتك وسطوتك، فالأمن لا يمكن شراءه بالمال ولا العرش كذلك مهما دفعت لهم سيحين وقت تقديم الى المسلخ ونحرك بعد أن يجف ضرعك بالكامل كما قالها البوفالو الأمريكي "دونالد ترامب" مرات عديدة.
فالراعي الأمريكي أو الإسرائيلي الذي تعول عليه لضمان حكمك، لا يريد سوى استحلابك وافقارك واستعبادك وتجريدك من كل استقلالية في كل قرار مهما كان صغيراً بحجم تعيين مدير عام في إحدى وزاراتك، فالأمر لم يعد بيدك وستكون أنت لا تعدو سوى "فزاعة" قائمة على رأس الهرم لا يحل ولا يربط، يحرك أصابعه في داخل الأسرة لتهديدك بين الحين والآخر ما أن تتأخر من دفع الفاتورة أو الانصياع لأبسط المطالب.
ويضيف هذا الكاتب التلموذي المتشدد بقوله "صحيح أننا نكره العرب لكننا عميقا في داخلنا نحترم أولئك الذين تمسكوا بما لديهم، أولئك الذين حافظوا على لغتهم وفكرهم.. ولهذا يمكنك أن تختار: إما كلب محبوب أو محترم مكروه" !! في إشارة واضحة منه الى آل سعود وآل نهيان وآل خليفة وكذا الأردن والمغرب ومصر والسودان وكل حاكم عربي أقدم على خيانة القضية الأم فلسطين وانبطح واستسلم للتطبيع وإقامة العلاقات مع العدو الغاصب.
هكذا هي النظرة الاستعلائية لكل من تلجأ اليه في خارج الوطن لدعمك، لا يمكن له من تحقيق رغباتك سوى عبر الدفع، قالها ترامب وقبل أكثر من ثلاثة عقود لم تأخذونها بنظر الإعتبار آنذاك وفكرتم أن الأمور تسير وفق رغباتكم الرخيصة فيما لم تكونوا سوى دمى مسرح الأعراس يحركونكم كيفما يشاؤون.
فما كشفته وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة "هيلاري كلينتون" في كتابها "الخيارات الصعبة" هو جانب صغير من اللعبة الأمريكية الصهيونية لتمزيق العالم العربي والإسلامي بأموال البترول الخليجي وشباب الأنظمة الرجعية العميلة الخليجية، ليعيثوا الدمار والفساد وتسيل أنهار دماء الأبرياء في المنطقة لتدر أرباح الحروب بالوكالة على مصانع الأسلحة الأمريكية والبريطانية وغيرها.. تباً لكم متى تستفيقون.