من "مملكة الصمت" إلى "مملكة الصمت والرعب"، هكذا أصبحت السعودية الجديدة التي وعدنا بها محمد بن سلمان. سنوات مرت على وصوله إلى الحكم ولم يتغير شيء بل إن الوضع الاجتماعي والسياسي والعسكري والاقتصادي قد زاد سوءً. ليأتي خبر الأمس ليفتح باباً للأمل ولو كان ضيقاً جداً، خبر هزّ الشارع السعوديّ وهو إعلان شخصيات وطنية معارضة عن تشكيل حزب "التجمع الوطني المعارضّ". حزب يسعى لتأسيس مسار ديمقراطيّ للحكم في البلاد، في أول تحرك سياسيّ منظّم ضد سلطة ال سعود في عهد سلمان بن عبد العزيز.
وقال الحزب في بيان التأسيس "إن الحكومة تمارس العنف والقمع باستمرار، مع تزايد الاعتقالات السياسية والاغتيالات، والسياسات العدوانية المتزايدة ضد دول المنطقة، والاختفاء القسري، ودفع الناس إلى الفرار من البلاد". وأشارت الدكتورة مضاوي الرشيد إلى أن ولي العهد محمد بن سلمان، ليس لديه إجماع من العائلة المالكة للصعود على العرش، مضيفة: "لقد قام بإسكات وتهميش أقاربه، ونحن قلقون بشأن الصراع على السلطة على أعلى مستوى عندما يموت الملك سلمان، وهذا قد يوقع فوضى في السعودية يدفع المواطنون ثمنها". وتابعت: "ليست لدينا مؤسسات، وليس لدينا رأي فيما يحدث، ولا يمكننا اختيار أفضل شخص، لذلك نحن نحاول خلق بديل لهذا النظام من خلال تبني أفكار ثبت بالفعل أنها أفضل من الملكية المطلقة التي لدينا". ومضت في قولها: "لا نريد أن نفرض على الناس رؤية لكيفية عمل النظام السياسي، يجب أن يكون ذلك نتيجة تصويت عام، نحن مهتمون بالمبادئ والمؤسسات التي تسمح للناس أن يكون لهم رأي في كيفية حكمهم".
ومن بين أعضاء هذا الحزب المعارض، رئيس منظمة القسط الحقوقيّة في لندن "يحيى عسيري" و"عبد الله العودة" ابن الداعية الإسلاميّ الشهير "سلمان العودة" الذي يقبع في سجون ابن سلمان، والأكاديميّ البارز "سعيد بن ناصر الغامدي" والناشط "أحمد المشيخص" والأكاديميّة "مضاوي الرشيد". والمثير في الأمر أنّ قارئ البيان، المعارض "عمر عبد العزيز"، الصديق المقرب للصحفي جمال خاشقجي، الذي قُتل في قنصليّة بلاده باسطنبول، أوضح أنّ هذا الحزب يشكّل خطراً عليهم، لكنهم مؤمنون بأن الكثير قبلهم قد فقدوا حياتهم وحرياتهم في مثل هكذا محاولات.
أهمية تشكيل هذا الحزب:
وفي هذا السياق، تأتي أهمية إنشاء الحزب السعوديّ المعارض، للمطالبة بحقوق الشعب بعد تغييب المفكرين والعلماء وزجهم في الزنازين وإيقافهم عن نشاطهم، وتطرق مسؤولو الحزب إلى قضيّة الحرب اليمنيّة، موضحين أنّ المشكلة في الحرب التي تقودها بلادهم ضد اليمن، نشأت في عقل شخص واحد فقط بدون مشورة الشعب، مشددين على أنّ المأساة مشتركة في حرب اليمن التي دمرت مقدرات اليمن وشعبه ووضعت الجنود السعوديين في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، سوى الاستثمار في مصانع الأسلحة الأمريكية والغربية.
وفي هذا الصدد، يشكّل حزب التجمع الوطنيّ السعوديّ المعارض، "خطوة تاريخيّة" في المملكة وتأتي أهميته على الشكل التالي:
بسبب الخشية الكبيرة من المغامرات السياسيّة في ظل النظام المستبد وطبيعته التي ترفض أيّ صوت معارض داخل البلاد وخارجها، يأتي إنشاء هذا الحزب فرصة للبقية السعوديين لتجميع أنفسهم وإظهار القوة من اجل ردع العتاة والفاسدين وخاصة بن سلمان عن سياسته الهوجاء.
كما يهدف الحزب إلى تعديل أو تصحيح الأخطاء التي تقوم بها سلطات ال سعود، باعتبارها تفعل ما تشاء دون أيّ رقابة أو محاسبة.
ويسعى لحفظ كرامة وحقوق أبناء الشعب عبر قضاء عادل ومستقل ومنحهم حرية التعبير والمشاركة في البلاد.
وبناءاً على ما سبق، يبدو أن قدر السعودية الجديدة التي يريدها ابن سلمان أن تستمر في دوامة الفوضى وعدم الاستقرار. ومن يتأمل جيداً الواقع الفعلي للنظام السعودي؛ يصل إلى نتيجة مفادها أنه قد شاخ وهرم وآل إلى السقوط. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب أهمها الفساد المستشري الذي نخر النظام عبر عقود عدة، وما اتسم به من قمع واستبداد واستئثار من العائلة المالكة بخيرات البلاد، وإلقاء بعض الفُتات إلى الشعب. هذا عِلاوةً على سيطرة الأمراء على المناصب السيادية في الدولة، رغم كبر سن بعضهم ونقص كفاءة البعض الآخر.
وبالتالي إن تخبطات ابن سلمان أدخلت البلد في أزمات كثيرة، في ظل النمو السكاني المتزايد والاقتصاد القائم على النفط، وعدم تحقيق ما صرح به من تنويع مصادر الدخل بحلول عام 2020. فها هو العام قد رحل ولم تظهر في الأفق أي بادرة لتحقيق هذا الهدف. وبعد كل هذا؛ يمكن القول إنه إذا كان من انهيار وشيك لعائلة ال سعود المالكة، فإنه سيكون -على الأرجح- على يد صاحب رؤية 2030: ولي العهد محمد بن سلمان.