بقلم عبد الرحمن الهاشمي
في موسم الحجّ الذي يفترض أن يكون تعبيرا عن وحدة المسلمين، ومؤتمرا عالميا لإعلان مواقف الأمة ضد الإستبداد والاستعمار والاحتلال والخيانة، تحوّل يوم عرفة إلى مشهد بائس من مشاهد الانحدار الرسمي العربي، حيث وقف خطيب النظام السعودي، صالح بن عبدالله بن حميد، على منبر مسجد نمرة، لا ليشهد بالحقّ ويكون صدى لصرخات مسلمي غزّة، بل ليؤدي وظيفة ترويجية سخيفة للسلطة، مغلّفة بعبارات التقوى والصبر والدعاء الكذب.
في خطبة كان من المفترض أن تكون صرخة مدوّية لنصرة غزة المحاصرة والمذبوحة، اكتفى الخطيب بترديد جُملٍ باهتة: "اللهم تولّ شأن إخواننا في فلسطين"، و"اللهم اشبع جائعهم وآوِ مشرّدهم"، وكأن الله سبحانه لم ينزل في كتابه(وقفوهم إنهم مسئولون)، أو كأنّ هذه الدعوات الجبانة يمكن أن تُغسَل بها أيدي النظام من دماء الشهداء.
لكنّ الفضيحة ليست فقط في الصياغة الباردة، بل في ما تمّ تجاهله عمدا وبجبن مفضوح، فلا إشارة لحكام العرب الذين تواطؤوا مع الجريمة، لا كلمة عن المطبعين ومن سيلتحق علنا بما يسمى ب"اتفاقات آبراهام"، لا همسة عن خيانة بعض أنظمة الخليج التي تحولت إلى أذرع خبيثة للكيان الصهيوني، ولا حتى تلميح إلى موقف النظام السعودي نفسه، الذي قدّم مليارات الدولارات لترامب في زيارته الخليجية الأخيرة التي حصد فيها أكثر من خمسة ترليون دولار ، دون أن يطالبه محمد بن سلمان بكفّ يده عن دعم الإبادة الجماعية في غزة. دعا الخطيب الله أن "يكفي الفلسطينيين شرّ أعدائهم"، بينما نظامه هو أحد شركاء الإبادة الجماعية التي تجري في غزة وأحد أعداء المقاومة الفلسطينية.
ما حصل على منبر عرفة هو وصمة عار، لا يمكن وصفها إلا بأنها جريمة روحية، جريمة جديدة تُضاف إلى سجل جرائم النظام السعودي في حقّ الفلسطينيين، لا تقلّ فتكا عن جرائم الطائرات التي تُدمر البيوت على رؤوس الأطفال في غزة، فأن يتجرّأ خطيب رسمي – بغطاء "الدين" – على تبييض وجه الجريمة، وتقديمها على شكل دعاء أجوف بلا موقف، هو نوع من التدليس الديني والأخلاقي الذي ينبغي فضحه.
لقد تحوّل الحج في ظلّ تسلّط آل سعود من فريضة ربانية جامعة، إلى مناسبة محروسة بالكاميرات، مغلقة على الصوت الحقيقي للأمة، خالية من الموقف، متروسة بالرعب من إبراز أي شكل من التضامن مع غزة او إدانة الكيان الإجرامي وحاميته أمريكا. فقد تمّت مصادرة الحرمين الشريفين، واختطاف منابرهما، وتحويلها إلى منابر ضِرار لتبييض وجه النظام السعودي ولتبرير الواقع العربي الموبوء بالخيانة والتطبيع والاستبداد.
أليس من المخزي أن يُمنع الحج من أن يكون مؤتمرا للمسلمين؟ أليس من الجريمة أن تُفرغ خطبة عرفة من مضمونها السياسي والإنساني، ويُكتفى بالحديث عن مفهوم الصلاة والصبر والتقوى، وكأن المسلمين لا يعيشون أكبر نكبة في تاريخهم الحديث؟ غزة تُباد، والمقدسات تُستباح، والأمة تتفتت، ويأتينا خطيب النظام ليحدثنا عن "السكينة" و"الطمأنينة" وكأن "إسرائيل الكبرى" ليست حقيقة نشاهد أخطر فصولها في التمدد الإسرائيلي في جنوب سوريا.
الأسف لا يكفي، والغضب وحده لا يكفي. يجب أن يُقال بصوت عالٍ، إن هيمنة آل سعود على مكة والمدينة لا يمكن أن يصبح أمرا واقعا، ولا مجرد خلل تدبيري لموسم الحج، بل بات خطرا وجوديا على مستقبل الإسلام نفسه. لا يجوز أن تبقى أقدس بقاع الأرض خاضعة لحكم نظام يبيع المواقف في السوق الدولية، ويقدّم خدمات الحج مشروطة بالسكوت، ويمنع حتى الدعاء الحرّ على أعداء الأمة. آن الأوان لفتح نقاش جدي داخل العالم الإسلامي حول وضعية الحرمين الشريفين وواقع منابر مكة والمدينة. فلماذا لا تكون المدينتين المقدستين تحت وصاية إسلامية تمثل الأمة، لا نظاما يشتري شرعيته من واشنطن ويفسد على المسلمين حجهم ويفرغه من معناه ومقاصده.
ويا للمفارقة المهينة، في صعيد عرفة، ميكروفونات مذهبة، وخطيب في قاعة مكيفة، مياه مبردة في متناوله، ينطق بدعاء مقعر خال من أي موقف. وعلى المقلب الآخر، غزة تئن تحت المجازر، أطفالها مجزرين بالقنابل الأمريكية، نساؤها يبحثن عن مأوى، غزة جائعة ومعطّشة. شاهدة على خذلان أمة، لم تحظى إلا بدعاء أن يتولى الله شأنها!!
أي دين هذا الذي يسمح بأن يُختصر كل هذا النزيف في جملة "اللهم تولّ شأنهم"؟ بل أي استخفاف بمشاعر الفلسطينيين أن يتلو عليهم خطيبٌ من نظامٍ يمول قاتلهم، دعاءً مفرغا من المعنى، بينما يُغلق أمامهم باب النجدة ويُفتح للعدو باب التطبيع؟
إن هذه الخطبة لم تكن سوى جريمة معنوية موثّقة. جريمة تقول بوضوح: لسنا معكم. لا نجرؤ أن نسمّي القاتل، لأننا شركاؤه. لا نملك الجرأة على رفع الصوت، لأننا عبيده. لا نريد أن ننقل الحقائق، بل أن نزيفها. وهذا أسوأ من الصمت، لأنه خيانة مغلفة بالتقوى.
لن تُمحى هذه الخطبة من ذاكرة العار، خطبة تواطؤ لا تقوى، خطبة خيانة لا خشوع، خطبة سُخّرت لخدمة قتلة الأطفال في غزة، ومُنع فيها ذِكر الجلّاد كي لا يُحرَج الحليف الأمريكي ولا يُساء فهم رسائل التطبيع مع (إسرائيل). منبر عرفة هذا العام كان موقعا لارتكاب جريمة معنوية بحق دماء الشهداء، جريمة توثّق كيف تحوّلت الحُرُمات إلى أدوات في يد نظام يطبع مع القاتل، ويدعو للضحية دعاءً أجوفَ لا معنى له. لن تغفر غزة، ولن تنسى الأمة، أن أخطر ما واجهته القضية الفلسطينية لم يكن القصف وحده، بل خيانة أنظمة وخطباء يدعون لمن تبقّى في جحيم الإبادة، ويضللون الأمة بأدعيتهم المنافقة.
إنها نكبة أمة في دينها وحجّها ومنابرها وفي أنظمتها الفاجرة والخائنة، إنها مرحلة من الأشد سوادا في تاريخنا.