لا أحد يشكك بذكاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وبقدرته على التعاطي مع تعقيدات الشرق الأوسط، وقد استطاع هذا الرجل خلال السنوات القليلة الماضية أن يسحب البساط من تحت الولايات المتحدة الامريكية بمهارة منقطعة النظير، كانت التجربة الأولى مع تركيا والتي فتح لها بوتين ذراعيه في أوج خلافاتها مع واشنطن واستطاع أن يكسب أنقره لصالحه؛ اليوم يتكرر الأمر ذاته مع الرياض والتي تعد هي الأخرى حليف تقليدي للولايات المتحدة الامريكية، فهل نشاهد بوتين يرقص "العرضة" السعودية قريباً؟.
نقطة العطف الأولى
تعود نقطة العطف الأولى والأكثر بروزا في تنمية العلاقات السعودية_الروسية إلى قمة "العشرين" التي انعقدت مؤخرا في الارجنتين والتي شهد فيها العالم "عزلة دولية" كبيرة واجهت ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ولولا الرئيس الروسي وسلامه الحار حينها لكان ولي العهد في ورطة دولية كبيرة على الأقل أمام الرأي العام السعودي الذي بدأ يشاهد الأمير الذي يتم تحضيره للوصول إلى كرسي العرش منبوذ وغير مرحب به بين الدول الكبرى وهذا لا يبشر بالخير لمستقبل البلاد بكل تأكيد، لكن مصافحة بوتين والتصريحات الروسية حول قضية خاشقجي جاءت بردا وسلاما على ولي العهد .
بوتين ألقى الكرة في ملعب واشنطن فيما يخص مسألة خاشقجي، فعندما كان الجميع يوجه اصابع الاتهام لولي العهد في هذا الموضوع ويحمله مسؤولية الجريمة، تجنب بوتين ذلك قائلا: "على حدود علمي (خاشقجي) اعتاد أن يعيش في الولايات المتحدة ... وفي هذا الصدد أشار بوتين إلى بعض المسؤولية على الولايات المتحدة، كما علق "لا نعرف ما حدث في الواقع، لذا لماذا نتخذ أي خطوات تقود إلى تدهور علاقاتنا مع السعودية".
الموقف يتجدد
روسيا استمرت في حمايتها لولي العهد السعودي بعد الهجوم الذي تعرض له دوليا في قضية خاشقجي، حيث أعلن مبعوث روسيا إلى الشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف، رفض بلاده أي تدخل أجنبي في مسألة انتقال الحكم في المملكة السعودية، وأضاف أنه لا يوجد أي أساس لتدخل الولايات المتحدة في تحديد الشخص الذي سيحكم المملكة الآن أو في المستقبل.
ونقلت وكالة "بلومبيرغ" الأمريكية، عن بوغدانوف، قوله في مقابلة أجريت الثلاثاء في موسكو، إن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، له كل الحق في وراثة العرش بعدما يموت والده الملك سلمان بن عبد العزيز". وشدد على أن "الشعب السعودي وقيادته هما اللذان يحددان مسألة انتقال الحكم".
ورداً على سؤال ما إذا كان لولي العهد الحق بخلافة والده، قال بوغدانوف "بطبيعة الحال نعم، فقد تقرر الأمر ونحن على اتصال مع المسؤولين السعوديين وليس هناك أي قلق بهذا الخصوص".
ما سر كل هذا التعاطف الروسي مع ولي العهد؟
في الحقيقة روسيا تبحث عن مصالحها في الشرق الأوسط قبل كل شيء وغضب الولايات المتحدة الامريكية من ولي العهد السعودي "حليفها التقليدي" دفع روسيا لملأ الفراغ الأمريكي قدر المستطاع في محاولة لاختراق الفضاء السعودي وازاحة واشنطن أو مناصفتها او الشراكة معها في العلاقة مع السعودية ومزايا هذه العلاقة من عقود في الاسلحة وغيرها من الملفات السياسية التي تجد فيها روسيا ضالتها في الشرق الاوسط.
مصالح مشتركة
أولاً: هناك مصالح مشتركة بين موسكو والرياض جلها يتعلق في مجال النفط ومنظمة أوبك، وعلى هذا الاساس عززت موسكو علاقاتها مع الرياض منذ تولي محمد بن سلمان ولاية العهد قبل عام ونصف العام، إذ نسقت روسيا والسعودية جهودهما بصفتهما أكبر منتج ومصدر للنفط في العالم لتقليص إمدادات البترول بالأسواق العالمية لدفع أسعار الخام للارتفاع.
واشارت صحيفة "التايمز" الأميركية في تقرير سابق لها إلى أن موسكو والرياض قد وقعتا اتفاق تعاون في مجال الإنتاج النفطي في عام 2016، قاد إلى الحد من تخمة المعروض من النفط الخام في الأسواق ورفع أسعار النفط.
ثانياً: الولايات المتحدة الأمريكية تتعامل مع ولي العهد بإبتزاز غير مسبوق في تاريخ العلاقات بين البلدين، وتعرضه للكثير من الاحراج امام الشعب السعودي، فبينما كان ابن سلمان يسعى ليُظهر نفسه بطلا في الشرق الأوسط وزعيما منفردا بذاته، كانت الولايات المتحدة وخاصة الرئيس ترامب تعمل على تحجيم ابن سلمان عبر اظهاره في موقف ضعف دائم، حيث كان مجبورا ولا يزال على الموافقة على كل ما تطلبه منه واشنطن، لذلك نعتقد أنه يحاول أن يتجه شرقا عله يفلت من قبضة واشنطن وسطوتها عليه.
ثالثاً: المشهد السوري في الوقت الراهن مهم جدا ولايمكن عزله عن اتجاه ابن سلمان شرقا، فإذا ما شرحنا المشهد السوري سنجد أن محور "بوتين_ الأسد" انتصر على جميع التحالفات البقية بما فيها الحلف السعودي الغربي، واليوم على سبيل المثال افتتحت الامارات سفارتها في دمشق، وهذا دليل واضح على اين ستسير الأمور في المستقبل، لذلك نعتقد بأن ابن سلمان سلمان يريد أن يعود إلى المشهد السوري تحت عباءة بوتين ليعيد شيئا من ماء الوجه الذي فقده في الداخل والخارج.