* جمال حسن
"إذا كان الاغتصاب هو ممارسة إنسان ما لسلطة ليست من حقه، فإن الاستبداد هو ممارسة سلطة لا تستند إلى أي حق، ويستحيل أن تكون حقا لإنسان ما" - جون لوك، الفيلسوف والطبيب الإنجليزي الشهير في القرن السابع عشر.
قبل بضعة أيام كشفت أوساط حقوقية معطيات صادمة في ملف وفاة الأكاديمي المعارض موسى القرني في سجون النظام السعودي بعد 15 عاما من اعتقاله بشكل تعسفي، وذلك يوم السبت الماضي 9 تشرين أول/أكتوبر الجاري، حيث أمتنعت السلطات المارقة من تسليم جثمانه وقامت هي بدفنه دون أن يراه أهله ومحبوه.
وفاة الأكاديمي السعودي القرني ليست الأولى في تاريخ إجرام آل سعود خاصة خلال العهد السلماني، فقد سبقتها انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في البلاد طيلة العقود الماضية بين اغتيال أو إختفاء قسري أو سيف الحرابة وما الموت البطيء لمعتقلي الرأي ببعيد.
وثائق حقوقية دامغة تؤكد تعرض علماء بلاد الحرمين الشريفين ومفكريها ومثقفيها ونشطائها ودعاتها وكل من تنبس شفاه بما يتعارض وسطوة الحاكم على رقاب وممتلكات الشعب ويدعو بالمطالبة بحقوقهم المسلوبة والمنهوبة، لأبشع أنواع التعذيب الجسدي والنفسي منذ اللحظة الأولى من اعتقالهم.
شهود عيان ممن اطلق سراحهم وكذا ما ينقله أهالي المعتقلين عن سبل التعذيب الذي يتعرض لها الموقوفون دون محاكمة لسنوات طويلة بعضها تجاوزت العقود، منها الاستجواب المطول ومنعهم مقابلة محاميهم ورؤية أهاليهم وصولاً الى الصعق الكهربائي للأجزاء الحساسة في البدن والتعرض للتحرش الجنسي وقبل كل ذلك الإهمال الطبي المتعمد.
وعلى طول العقود الماضية كشفت منظمات حقوقية دولية عن تعرض معتقلي الرأي في مملكة الرمال الى القتل البطيء الممنهج من قبل السلطات الإجرامية الحاكمة، ووفاة المفكر القرني بعد معاناة طويلة مع المرض وإهمال طبي متعمد داخل معتقلات النظام دليل آخر لما يتعرض له معارضوا سطوة آل سعود على رقاب الشعب خاصة خلال العهد السلماني بقيادة أبو منشار.
وسائل اعلام أجنبية لطالما كشفت النقاب عن تهور محمد بن سلمان في مواجهة كل من يعيق بلوغه العرش حتى من داخل الأسرة السعودية المارقة الحاكمة، كاشفة عن تعرض والدته وأخوته وأبناء عمومته واعمامه وغيرهم من سكان القصور الملكية ومن يحوم حولها للتهديد والاعتقال ومصادرة الأموال والمناصب والإقامة الجبرية والحرمان من مغادرة البلاد ولقاء الأهل والأحبة.
في هذا المجال كشفت صحيفة “ذا نيو إنديان إكسبريس” الهندية جوانب من مسلسل انتهاكات حقوق الانسان في شبه الجزيرة العربية مشيرة الى مساعي ولي العهد الطائش لبناء "دولة مارقة"، مشيرة الى مسيرة إستدراج المعارضين في خارج المملكة وداخلها وكيفية البطش بهم ومنهم جمال خاشقجي.
مراقبون للشأن السعودي أشاروا أن سلمان بن عبد العزيز وعبر قراراته المتهورة في انقلابات بيضاء داخل الأسرة السعودية الحاكمة يمهد الطريق لنجله المدلل للمضي قدماً في نهج "الدولة المارقة" والتغييرات المستمرة في هيكلية الحكومة التي تصب في هذا الإطار.
من جانبها كشفت صحيفة "الغاردين" البريطانية وفي تقرير جديد لها عن دور برامج التجسس Pegasus مجموعة شركة المراقبة الاسرائيلية (NSO) في مساعدة نجل سلمان وتمكينه الوصول بسهولة الى مخالفيه في خارج البلاد عبر برامج التجسس لمراقبتهم والمقربين لهم، رغم تهرب شاليف هوليو الرئيس التنفيذي للشركة من الإفصاح بذلك خلال برنامج الأخبار التليفزيونية الأمريكية “60 دقيقة”.
هذا وحملت الفدرالية الدولية للحقوق والتنمية (إفرد) السلطات السعودية مسئولية وفاة "القرني"، مشيرة الى أن أعوام استحواذ محمد بن سلمان للسلطة شهدت اعتقال آلاف النشطاء والحقوقيين على خلفية مطالبهم بالإصلاح السياسي والاجتماعي وإطلاق حرية الرأي؛ وسط مطالبات حقوقية دولية متكررة بالكشف عن مصيرهم وتوفير العدالة لهم.
في هذا الإطار حملت منظمة "سند" لحقوق الإنسان "بن سلمان" مسؤولية وفاة "القرني" داخل السجون وأسلوب القتل البطيء الذي يمارس ضد معتقلي الرأي ودعاة التغيير والإصلاح في سجون آل سعود والذي يعد جريمة في كل القوانين الدولية وانتهاكاً صارخاً لأبسط القواعد النموذجية لمعاملة السجناء، فيما طالبت مؤسسة "القسط" لحقوق الإنسان بتحقيق دولي في وفاة "القرني" مبرزة تفشي التعذيب في السجون السعودية.
يشير المراقبون الى أن الحقوق المشروعة في العالم محرّمة بمفهوم النظام السعودي الذي حوّل البلاد لسجن يتهدد فيه حياة الجميع بخطر الاعتقال والقتل والملاحقة والاغتيال والاختفاء القسري وكم الأفواه والحرمان والقتل خارج نطاق القانون. مشددين إنه نظام يتغنى بالانتقام كوسيلة تهدد حياة الكبار والصغار جاعلاً مستقبلهم بين فكّي السجن الكبير والزنازين الصغيرة.
فهو نظام دموي يستخدم كل أنواع الانتهاكات لحقوق الانسان من صغيرها الى كبيرها، حيث لا يتوانى من إعدام القاصرين وتقطيع الكبار وسيف الحرابة للعلماء والمفكرين، وسجن مدافعي حقوق الإنسان ونشطاء التعبير عن الرأي وفق أحكام قسرية في محاكم صورية على تهم ملفقة وباطلة واعترافات انتزعت تحت التعذيب المبرح، الى جانب مصادرة الحقوق المدنية والإنسانية للمرأة واعتقال العشرات منهن تزامناً مع تشدقه المخادع "بن سلمان" بمنحه حقوقهن.
لا يخفى على أي متابع للشأن السعودي ما يجري من حملات اعتقال متسلسلة طالت مئات بل آلاف العلماء والجامعيين والاعلامين والنشطاء، وتعرضهم لمحاكم يديرها قضاة لا يمتلكون الأهلية لإدارتها يتم تعيينهم وفق ولائهم لسلمان ونجله بعيداً عن نزاهتهم وكفاءتهم القانوية، يحكم على الأحرار بالسجن لسنوات طويلة ومنع السفر والإعدام.
ولعل البعض الذي لا تزال السذاجة تسيطر على فكره وعقله يتسائل عن أسباب كل هذا الكم الهائل من الأحكام الجائرة من قبل المحاكم الجزائية للسلطة المارقة والتهم الموجهة للمعتقلين، فنقول لها هي كالآتي: "الخروج على ولي الأمر، القدح علناً في ذمة المسؤولين ونزاهتهم، زعزعة أمن المجتمع والتحريض على مخالفة النظام من خلال الدعوة الى التظاهر، الإتصال بجهات خارجية وتأسيس أو الإشتراك في جمعية غير مرخّصة" - وفق ادعاءات ملفقة لمحاكم السلطة.
فسجلات انتهاكات آل سعود لحقوق الإنسان لا تعد ولا تحصى على المستوى الدولي والداخلي، وباتت سجلاته في الإعدامات التي نفذها خلال السنوات الخمس الماضية غير قابل للعد خاصة تلك التي تمت وفق التمييز الطائفي الممنهج للسلطة الحاكمة ضد أبناء المنطقة الشرقية من الأقلية الشيعية، والتي بلغت أكثر من 800 حالة معلنة رسمياً ووثقته منظمات حقوق الانسان الدولية، أما بالنسبة لتلك غير الموثقة، فعددها غير معروف حتى الآن.
في المجال ذاته قالت رئيسة المفوضية الأوروبية "دير لاين": “لا يزال الاتحاد الأوروبي يشعر بالقلق إزاء تطبيق عقوبة الإعدام في المملكة”، كما تطرقت الى قضية ولي العهد السابق محمد بن نايف الذي تدهورت حالته الصحية بعد أشهر من اعتقاله بأوامر من محمد بن سلمان والذي لم يعد قادراً على المشي جراء التعذيب الذي يتعرض له، وهو ما أكده ايضا مصدران مطلعان لشبكة “أن.بي.سي” الأمريكية.
ثم نستذكر في ختام المقال قضية الشيخ سمير الهلال المغيّب في زنازين آل سعود منذ خمس سنوات "كنموذجاً"، بعد أن اعتقل في منزله بحي العنود في الدمام خلال عملية دهم مروّعة، نفذتها "الفرقة الخاصة" لأبن سلمان، بعد تطويق المنطقة التي يقطنها بعشرات المدرعات وسيارات للشرطة والأمن، وجرى اعتقاله على وقع الترويع وتحت وطأة التهديد بالسلاح.