التغيير– طلال حايل
بعد مرور أكثر من أسبوعين على مقتل الصحفي السعودي جمال الخاشقجي بقيت خلالها سلطات آل سعود مُصرّة على موقفها بأنّ الخاشقجي دخل إلى مبنى القنصلية وخرج بعد وقتٍ قصير؛ وهو الأمر الذي ناقضته كلُّ الروايات الرسمية التركية وحتى الدولية التي كانت تهتم بالأمر،وفي اليوم الثامن عشر لم يكن أمام سلطات آل سعود إلّا الإعتراف بالحقيقة والتصريح بمسؤوليتها عن مقتل الخاشقجي، لكن وكعادتها سربلت سلطات الرياض تلك التهمة بأناس ربما لا يعلمون شيءً عن الخاشقجي وربما حتى لا يعرفونه، ولكن طالما أنّ الأمر (ربما) يبقي رأس بن سلمان بين كتفيه فهو حسنٌ ومقبول!.
مصير مجهول
انتهى الأمر.. رُفعت الأقلام وجفت الصُحف؛ فمع انكشاف مصير الصحفي جمال الخاشقجي بدأت الأصوات تخرج من هنا وهناك مُطالبةً بتنحيته عن ولاية العهد، ولعلّ أبرز تلك الأصوات ما خرج من الولايات المتحدة التي تُعتبر الضامن الأكبر لعرش آل سعود منذ عشرات السنين والمتحكمة في من يكون ومن لا يكون، حيث فاجئ السيناتور ليندزي غراهام حلفاؤه السعوديين بأنّه ينبغي على ولي العهد السعودي الرحيل إذ لا يمكنه أن يكون قائدًا، وتابع غراهام وهو المُرشح السابق للإنتخابات الأمريكية: "لن يكون لي أي تعامل مع السعودية طالما أن محمد بن سلمان وليا للعهد"، مؤكدًا في الوقت نفسه أنّ لا شيء يحدث في السعودية من دون علم ولي العهد محمد بن سلمان، في حين ذهب "جو بايدن" نائب الرئيس الأمريكي السابق إلى أنّ محمد بن سلمان يختلق الذرائع فيما يخصُّ مقتل الخاشقجي.
بدورها كشفت صحيفة نيويورك تايمز أنّ المشتبهون بقضية خاشقجي لهم صلات بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وتابعت الصحيفة: "إذا أفلت بن سلمان من مسؤوليته عن مقتل خاشقجي فهذا سيكون بمثابة ضوء أخضر له"، في حين أكد تقرير سري صادر عن الاستخبارات الأمريكية استبعادها أن لا يكون لبن سلمان علاقة بقتل خاشقجي.
جميع ما سبق بات يُشير إلى إنتهاء المستقبل السياسي للولد العاق محمد بن سلمان، الذي بات الجميع يقتنع أنّه العقل المُدبر لجريمة مقتل الخاشقجي، وما يؤكد هذا الاستنتاج هو المعلومات السرية التي كشفت عنها صحيفة اللوفيغارو الفرنسية من أنّ الأمير خالد بن سلمان بات مرشحًا وبقوّة لخلافة محمد بن سلمان الذي سيغادر منصبه في المدى المتوسط بعد انفضاح جريمة اغتيال الخاشقجي.
جريمة مُنظمة
إذاً فجريمة اغتيال الخاشقجي جريمةٌ مكتملة الأركان.. في وضح النهار وعلى رؤوس الأشهاد، حيث خرج النائب العام السعودي مساء الجمعة ليقول في بيانٍ له أنّ خاشقجي قُتلِ في القنصلية بعد "مشاجرة" مع 18 شخص يجري التحقيق معهم حاليًا! متناسيًا حضرة النائب العام أنّ السعودية ومنذ الثاني من أكتوبر ما برحت تؤكد وعلى لسان أرفع مسؤوليها أنّ خاشقجي غادر القنصلية، وأن المملكة ليس لها أيّ علاقة باختفائه، ليتبين لاحقًا أنّ أزلام بن سلمان هم وراء مقتل خاشقجي، وأنّ كافة ادعاءات المملكة بهذا الخصوص ليست إلا تُرّهات نُسجت داخل أروقة أجهزة المُخابرات التي يُديرها بن سلمان.
تناقضات وأكاذيب بيان النائب العام السعودي لم نستطع فك رموز شفرتها إلا من خلال حركة الإعفاءات الكبيرة التي قام بها فرعونهم الأعظم سلمان بن عبد العزيز بعد أن انكشفت خيوط المؤامرة التي قام بها ولده العاق محمد، إذ شملت حركة التغييرات هذه الإطاحة برؤوسٍ بارزة في المملكة ليس أقلّها إعفاء سعود بن عبدالله القحطاني المستشار بالديوان الملكي من منصبه، وهو الذي يُعتبر العقل المُدبر لكافة جرائم بن سلمان، بالإضافة لإعفاء أحمد عسيري نائب رئيس الاستخبارات العامة من منصبه، وهو المتحدث الإعلامي السابق باسم التحالف الذي تقوده السعودية ضد الشعب اليمني الأعزل، ناهيك عن إعفاء رؤوس أخرى في جهاز المخابرات السعودية كمساعد رئيس الاستخبارات العامة لشؤون الاستخبارات اللواء الطيار محمد بن صالح الرميح، ومساعد رئيس الاستخبارات العامة للموارد البشرية اللواء عبدالله بن خليفة الشايع، ومدير الإدارة العامة للأمن والحماية برئاسة الاستخبارات العامة اللواء رشاد بن حامد المحمادي.0
مصادر خاصة للتغيير من الديوان الملكي أكدت أنّ الهدف الأساسي من حركة التنقلات والإعفاءات هذه هو محاولة الهروب من تحمّل مسؤولية جريمة اغتيال الخاشجقي، وأنّها لم تكن بعلم الملك أو بعلم ابنه!.
أكثر من ذلك أنّ سلمان كلّف الفتى العاق بإعادة هيكلة جهاز المُخابرات السعودية وتحديث نظامه ولوائحه، لكن ما يُثير الشكوك حول هذه العملية هو الفقرة التي تقول بتحديد صلاحيات هذا الجهاز بشكل دقيق، فمع وصول بن سلمان تحوّلت السعودية إلى دولةٍ بوليسية، واختلط الحابل بالنابل، وأصبح تشابك عمل أجهزة الأمن مُكلفًا لآل سعود ذاتهم، ومن جهةٍ أخرى فإنّ فقرة"تحديد صلاحيات هذا الجهاز" من شأنها وكما يقول مُتابعون تقديم كبش فداء لابن سلمان، في حال إجراء أي تحقيق دولي في جريمة اغتيال الخاشقجي.