بقلم: عبدالعزيز المكي...
في الوقت الذي يواصل فيه العدو الصهيوني مجازره الوحشية والبشعة والمروعة بحق أهالي غزة، بتهديم بيوتهم على رؤوس النساء والأطفال والرجال العزل، وفي الوقت الذي يتعرض فيه أهالي غزة للمجاعة والأمراض بسبب تدمير العدو للمستشفيات وأغلب المشافي الصحية ، وبسبب الحصار الذي طال كل شيء... وكل ذلك بمشاركة أمريكية منقطعة النظير عسكرياً وسياسياً واقتصاديا وإعلامياً وتغطية لهذه الجرائم لم يشهد التاريخ مثلها منذ الحرب العالمية الثانية...
نقول في هذا الوقت، بدء ترامب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جولته الخليجية بزيارة السعودية يوم الثلاثاء الموافق 13/ 5/2025، حيث أستقبل استقبالاً غير مسبوق من قبل ولي العهد السعودي وفرش له السجاد الأرجواني، كما حصل في زيارته السابقة في ولايته الأولى! وكان ترامب قد أستبق وصوله الى الرياض بوصف زيارته تلك بأنها تاريخية، وهو وصف اعتبره المراقبون والمحللون إن هذه الزيارة ستكون على قدر كبير من الأهمية وستترك بصمات كبيرة على معادلات المنطقة على حد زعم هؤلاء المحللين والمتابعين! ومن الجدير الإشارة، الى إن الزيارة حظيت باهتمام كبير من قبل الأوساط الإعلامية والسياسية العربية والأمريكية على مدى الأسبوع الماضي، فهذه الأوساط المذكورة بتحليلات وتغطية ضخمت من أهميتها ومن التحولات التي ستحدثها في المنطقة، وقد تمحورت هذه الزوبعة الإعلامية حول الأمور التالية:
1ـــ كما أشرنا قبل قليل، حاولت الكثير من الأوساط الإعلامية والسياسية رسم هالة ضخمة حول قدرة هذه الزيارة في تغيير معادلات المنطقة، وحول قدرة الولايات المتحدة وقوتها في أجراء هذه التغييرات، لدرجة إن المخاطب في السعودية وبقية دول الخليج العربية الأخرى، صار يتطلع الى ما ستحققه هذه الزيارة للمنطقة، بل البعض صارت لديه قناعة بأن زيارة ترامب ستكون محطة لتغيير الفكر الاستراتيجي الذي تقوم عليه السياسة الأمريكية! بمعنى آخر إن أمريكا ستنطلق نحو بنية فكرية لسياستها الاستراتيجية في المنطقة، وستغير الكثير من المفاهيم التي ترتكز عليها في تحقيق أهدافها، نتيجة الفشل الذي منيت به في التعاطي مع أحداث غزة، ونتيجة العدوان الذي فرضته على اليمن وأنتهى بها الى الفشل والهزيمة... وما عزز هذه الرؤية في وعي الناس، في تلك المنطقة هو التصريحات الداعمة لمسؤولين أمريكيين وعرب! وفي هذا السياق نشرت صحيفة (الغارديان) البريطانية مقالاً للمعلق سايمون تيسدال قال فيه "إن ترامب يعتقد أنه يقوم بإعادة تشكيل الشرق الأوسط" وكان ترامب نفسه وكما أشرنا قد وصف زيارته للخليج بأنها ستكون تاريخية، وأنه سيحقق إنجازات على صعيد أغلب ملفات المنطقة الساخنة...
2ـــ إعطاء انطباع في هذه التغطية الإعلامية والسياسية لجولة ترامب، وكأن أمريكا صاحبة اليد الطولى في المنطقة والآمر والناهي فيها، وهي التي تقرر مصائر الشعوب وإن رئيسها ترامب الرئيس (الجسور) والبعض قال "أنه الأحمق والمتهور"! وهكذا، صاحبت هذه التغطية هالة من الرهبة والخوف عند الأمة، ونسيت إن أمريكا المهزومة في أكثر من ساحة وآخرها وليس أخيرها المنازلة مع الحوثيين في البحر الأحمر" كما نسيت أيضا (ترامب) ذلك الشخص الذي تراجع عن أكثر تهديداته ووعوده بحرق الأخضر واليابس، وتحويل ربوع الرافضين لقراراته والمتمردين على مشاريعه بالجحيم وتحويل مناطقهم وبلدانهم قاعاً صفصفا!! وعرضوا لنا ترامب أيضا ذلك الرجل (حمامة سلام)!! والباحث عن وقف الحروب في المنطقة لتنعم بالسلام!! وكأن هذه الحروب هي ليست من صنع أمريكا من ألفها الى يائها!! ولأن هذه التغطية الإعلامية والسياسية التي سبقت مجيء ترامب وزيارته للخليج، أحاطت ترامب بهذه الهالة المزيفة لم يقصر الرجل في تصريحاته خلال زيارته لإضفاء نوع من المصداقية على تلك الهالة!! ففي مؤتمره الصحفي في قطر اعتبر إن القوة الأمريكية والتفوق العسكري الأمريكي لا يضاهيهما أية قوة في العالم!! كل ذلك من أجل إخافة الأنظمة العربية وإرعابها، وإلا أن أغلب دول العالم تعرف جيداً أن أمريكا لم تنتصر في أية معركة وصراع منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم وآخر هزيمة لها في المعركة البحرية مع الحوثيين في البحر الأحمر، حيث اضطرت الى سحب حاملات طائراتها من منطقة القتال بينما تلاحقها طائرات الحوثيين المسيرة، وصواريخهم المجنحة والبالستية وتثخنها بالإصابات واعتراف الأمريكيان صراحة إن الحوثيين كادوا يسقطون مقاتلة من نوع أف 35 وأخرى من نوع أف 16، بعدما دمروا 3 مقاتلات من نوع أف 18...
3ـــ الحديث المسهب عن الخلاف المزعوم بين ترامب ونتنياهو حول ما يجري في غزة، وفي تلك التغطية المشار إليها، صوروا إن ترامب غير راض بقتل الفلسطينيين، وأن نتنياهو تمرد عليه باستئناف العدوان وارتكاب المجازر وما الى ذلك من المزاعم الزائفة، فاذا كان الأمر كذلك فلماذا لم يذكر ترامب غزة، ولو لمرة واحدة في مؤتمراته الصحفية في جولته الخليجية بينما تحدث عن المشاهد المروعة لقتل الجنود الروس والأوكران، متقمصا الشخصية العاطفية المتأثرة جداً، بسبب قطع أطراف ورؤوس الجنود من كلا الطرفين! بينما مشاهد الأجرام البشعة للعدو الصهيوني في غزة تفوق مشاهد الحرب الأوكرانية الروسية مئات المرات بشاعة وترويعاً إذ ما يجري في غزة هو قتل للأطفال الأبرياء وتقطيع أطرافهم وسحق رؤوسهم بحجارة واعمدة الحديد لبيوتهم التي انهالت عليهم وهم نائمون أو غافلون بسبب القصف الهمجي والبربري للعدو الصهيوني، كل هذه المشاهد التي تتكرر يومياً لم تهز وجدان ترامب ولم تحرك له جفن، ولم تدفعه الى إنهاء هذه المذابح كما يحاول التباكي على ضحايا الحرب الروسية ــ الأوكرانية، وأن يعتبر هذه الحرب مأساة ومعاناة للشعبين الأوكراني والروسي...
على أي حال غالت الأوساط الإعلامية والسياسية بالحديث عن الخلاف بين نتنياهو وترامب، واللافت أن الأوساط الصهيوني أكثر من أسهبت في ذلك الحديث، لدرجة أن البعض في المنطقة صدق بهذا الحديث عن الخلاف بين الرجلين!! ففي هذا السياق نقلت صحيفة الغارديان البريطانية عن إليوت ابرامز، نائب مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس جورج دبليو بوش قوله: "كان بإمكانه زيارة إسرائيل، كما فعل في المرة الأولى" مشيراً، الى إن وزير الدفاع بيت هيغسيت، ألغى زيارة كانت مقررة في نفس الوقت لإسرائيل: "اعتقد إن هناك بعض التوتر هنا"! وكما أشرنا فأن الصهاينة هم أكثر من ضخم الخلاف المزعوم ونفخ فيه لدرجة إن بعض المحللين ذهب الى القول إن الخلاف بات يهدد العلاقة الاستراتيجية بين أمريكا والكيان الصهيوني، وعلى خلفية هذا التصور، هاجم محلل لشؤون الاقتصادية والسياسية في صحيفة ايدعوت احرونوت سيفر بلوتسكر ترامب ووصفه بأنه مرة يلعب دور المهرج وتارة دور الشيطان وعقله على حافة التشوش فينتج ويقدم أفكاراً ومواقف وتصريحات فارغة عجيبة ومتناقضة وفيها بلبلة"!! مرجحاً أن يفيض بالأمريكيين والغرب ويملّون منه، فهو غير جدير لقيادة العالم الغربي، كما وصفه بالطفل المصاب بحالة النسيان التامة!! هذا واعتبر أكثر المحللين الصهاينة أن ما يقوم به ترامب الآن من تفاوض مع إيران، ومن لقاء مع حركة حماس، ومن إيقاف الحرب مع الحوثيين وكل ذلك يخيف الإسرائيليين ويقلقهم اذا يؤشر الى احتمالية تخلي أمريكا عن حماية إسرائيل بحسب زعمهم ففي هذا السياق قال المحلل في قناة (آي 24 نيوز) الاسرائيلية تسيفي يحزكبيلي... تعليقاً على وقف إطلاق النار بين الحوثيين وأمريكا... "إن سلوك أمريكا في المحادثات التي أجرتها مع حماس لتأمين إطلاق سراح الأسير (عيدان الكسندر) وكذلك المحادثات التي أجرتها الإدارة مع الحوثيين، يجب أن تكون موضع قلق كبير بالنسبة لإسرائيل"! وزعم هذا المحلل بأن كل هذه الاتفاقات التي حصلت فوق رؤوس الصهاينة بحسب زعمه تشي بمفاجئات جديدة ستكون على حساب هذا الكيان وقال "علينا أن ننتظر ونرى ما تسفر عنه هذه الزيارة، وأين هو الموقف الإسرائيلي وألا تنتهي الأمور على حسابنا، أنا أرى إن هناك محاولة أمريكية لتجاوزنا في جميع القضايا العالقة، مثل الحوثيين وغزة" واختتم بالقول إن "على إسرائيل أن تستعد لحقيقة ان ترامب الوعود ليس ترامب الواقع"!! من جهته أستاذ العلوم السياسية في جامعة حيفا أبراهام بن تسفي كتب مقالاً في صحيفة (يسرائيل هيوم)، حول العلاقة بين الكيان الصهيوني وأمريكا، جاء فيه "إن ستة عقود من الشراكة العميقة والاستراتيجية والدبلوماسية بين البلدين والقائمة على القيم التي اكتسبت مع مرور الوقت سمة العلاقة الخاصة، وصلت الآن الى منعطف حرج قد يعرضها للخطر" وأضاف: "إن ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتجهان بسرعة نحو تصادم مباشر حول قضايا إقليمية وعالمية عالية المخاطر" بحسب زعمه...
هذا غيض من فيض لأن الأوساط الصهيونية اسهبت في الحديث والتحليل حول مزاعم أن ترامب تخلى عن إسرائيل وصعق نتنياهو بالاتفاق مع الحوثيين وبالتفاوض مع ايران، والتنسيق مع حماس... في حين أن كل هذه الزوبعة الإعلامية والسياسية لا أساس لها من الصحة والواقعية، ولا استبعد أن كل هذا الكلام الذي قيل عن ترامب وزيارته كان مقصوداً من أجل تحقيق عدة أمور منها ما يلي:
1ـــ إبعاد ترامب عن شراكته ومسؤوليته عن المذابح التي ترتكب في غزة، وحصار التجويع والتعطيش الذي يمارس بحقهم، فنتنياهو يمارس هذا المذابح المروعة ويقترف أبشع الجرائم بضوء أخضر من ترامب، وقبله من بايدن، وترامب هو الذي وعد الفلسطينيين بـ (الجحيم) أن لم يرحلوا من ديارهم الى الأردن ومصر!!
ولأن يداه ملطخة بدماء الفلسطينيين فهذا سبب إحراجاً له أمام الشعوب العربية التي تعيش احتقاناً بسبب تلك المجازر واستمرار العدو في اقترافها يومياً، ما يمكن أن تؤدي زيارة هذا القاتل والمجرم الى تفجر الأوضاع في المنطقة! وفي ضوء ذلك الاحتقان الشعبي، بات الأمر يتطلب تلميع ترامب وأمريكا وأبعادها صورياً عن العدو وتحميل الأخير وحده مسؤولية ارتكاب تلك المذابح وما يجري في غزة من ويلات.
2ـــ يستهدف هذا الزيف المشار إليه في تسويق شخصية ترامب خداع الشعوب بأنه أتى للمنطقة أو أن دوافع مجيئه هي لحل أزمات وقضايا الشعوب العربية، وحمايتها من الأخطار!! ذلك إن هذه الخدعة من شأنها أن تبرر للأنظمة العربية البائسة التقاعس عن نصرة أبناء فلسطين الذين يستغيثون بإخوانهم العرب ليل نهار من مجازر الجيش الصهيوني بهم، سيما وان الحوثيين يكيلون الضربات للعدو ثأراً ونصرة للفلسطينيين مما يشكل ذلك احراجاً للشعوب العربية ولتلك الأنظمة!!
3ـــ إن أبعاد ترامب المزعوم عن المشاركة والمسؤولية في خلق وتفاقم مأساة أهالي غزة والشعب اللبناني ايضا يستهدف تبرير الاستقبال الحافل وغير المسبةوق لهذا القاتل المجرم واغراقه بالأموال والهدايا، فقطر مثلاً أهدته (طائرة بوينغ 747 ) تشبه القصور الملكية الفارهة قيمتها من 500 الى 600 مليون دولار فضلاً عن الاستثمارات القطرية التي بلغت تريلون و200 مليار دولار، فبدون إبعاد ترامب عن المسؤولية في ارتكاب المذابح في غزة وفي الساحات الأخرى، ومنحه كل هذه الأموال الطائلة، يعني انكشاف خيانة وعمالة هذه الأنظمة لأمريكا!!
عليه نقول أن ترامب جاء الى المنطقة لإنقاذ أمريكا أولاً والعدو الصهيوني ثانيا وحمايته وإثارة الفوضى في المنطقة!! ويمكن أن نختصر الأهداف الحقيقية لزيارته بما يلي:
1ــ حلب الدول الخليجية لانعاش أمريكا ولإنقاذها من التردي الاقتصادي اذ تبلغ مديونيتها أكثر من 40 تريليون دولار، وهذا التردي انعكس على استقرارها الداخلي وعلى نفوذها في الخارج اذ ضعفت عسكريا وتراجع هذا النفوذ الى حد كبير وترامب نفسه تحدث ببهجة في السعودية عن أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وقع وثيقة الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية، كما وافق ابن سلمان على استثمار 600 مليار دولار في أمريكا، تتوسع مجالات الاستثمار حتى تصل الى أكثر من تريلون دولار طبقاً لما أعلنه ترامب، كما عقد ترامب صفقة بيع أسلحة للسعودية هي الأضخم في التاريخ بمبلغ أكثر من 142 مليار دولار، بالإضافة الى اتفاقات أخرى لم يعلن عنها، وفي قطر تحدث ترامب مطرياً على ابن سلمان وأمير قطر تميم، لأنهما وقعوا اتفاقيات اقتصادية مع الجانب الأمريكي واستثمروا مبالغ طائلة تصل الى 4 تريليون دولار!! معلناً إن هذه المبالغ وفرت أكثر من مليون و200 ألف فرصة عمل!! واذا أضفنا الى هذه المبالغ وما يشفطه ترامب من أبقار الخليج الحلوبة، وقد تعهد رئيس الامارات محمد بن زايد بأكثر من مليار دولار سوف يستثمرها في الولايات المتحدة، فيكون ترامب قد جمع أكثر من 5 الى 6 تريلون دولار!! وكما قال ترامب فأنها سوف تشغل المصانع العسكرية الأمريكية بالسرعة القصوى لإنتاج الأسلحة وتطويرها التي سوف تسلم الى الكيان الصهيوني التي يقتل بها الفلسطينيين واليمنيين واللبنانيين وغيرهم!!
2ـ تأهيل السعودية ودول الخليج لتكون رأس الحربة الأمريكية، لتمرير المشاريع الأمريكية في المنطقة ولمواجهة الصين وروسيا وإيران، وتعزيز نفوذ الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط كما أشار تقرير حديث لمنتدى الخليج الدولي" بهذا الخصوص... والذي أعده خالد الجابر وكريستيان كوتس أولريشين، واللذان قالا في خاتمة التقرير: "إن زيارة ترامب للخليج تمثل فصلاً هاماً في إعادة صياغة النهج الاستراتيجي الأمريكي تجاه الشرق الأوسط، ومن خلال تعزيز الشراكات الأمريكية التقليدية عبر الاتفاقيات الاقتصادية الاستراتيجية، والاتفاقيات الدفاعية والمبادرات الدبلوماسية وتهدف إدارة ترامب الثانية الى تعزيز القيادة والنفوذ الأمريكي في المنطقة"!! وهذا ما أشار إليه الكاتب السعودي عبد الرحمن الراشد في مقال نشرته صحيفة الشرق الأوسط.
3ـــ بالطبع من شأن تسييد السعودية وأخواتها إن يؤدي أو يؤسس لخلافات بين الدول العربية وحتى مع الدول الإسلامية، يمكن أن تؤدي هذه الخلافات الى الصدامات العسكرية بتمويل سعودي قطر إماراتي، وإدارة أمريكية صهيونية!!