.
بقلم عبد الرحمن الهاشمي
تُظهر زيارة ولي العهد السعودي إلى الولايات المتحدة، كما صيغت في البيانات والخطاب الدعائي المصاحب لها، لحظة كاشفة لطبيعة التحالفات التي تتشكل في الشرق الأوسط تحت سقف الهيمنة الأميركية - الإسرائيلية، لا باعتبارها شراكة متكافئة، بل بوصفها نمطا مكرسا لإعادة إنتاج التبعية في ثوب “شراكة فوق إستراتيجية”. الإعلان الأميركي عن تصنيف (السعودية) “حليفا رئيسيا خارج الناتو” يبدو، في ظاهره، ترقية سياسية وعسكرية غير مسبوقة، لكنه يحمل في جوهره إعادة تثبيت موقع المملكة كحجر زاوية في المعادلة الأمنية التي ترسمها واشنطن للمنطقة منذ عقود، مع ما يعنيه ذلك من توسّع في النفوذ الأميركي داخل البنية الدفاعية والاقتصادية السعودية، أكثر مما يعنيه من توسّعٍ في قدرة الرياض على الفعل المستقل.
فالمنظومة التي وُقّعت خلالها اتفاقية دفاع إستراتيجي، وشراكات في الذكاء الاصطناعي، وترتيبات لضمان سلسلة إمدادات المعادن الحرجة، ليست سوى مرحلة متقدمة من إدماج الاقتصاد السعودي في البنية الأميركية، بما يجعل الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا دوائر متصلة لا يمكن للمملكة فيها أن تتخذ قرارا نوعيا خارج الإطار الذي تخطّه واشنطن. إن الحديث عن “تسهيل الاستثمارات السعودية” و“تسريع الإجراءات” لا يخرج عن منطق تحويل الفوائض المالية النفطية إلى محرك إضافي للاقتصاد الأميركي، خصوصا في القطاعات الحيوية التي تحدد مستقبل التنافس الدولي، من الذكاء الاصطناعي إلى الصناعات المتقدمة. ومع ذلك، جرى تقديم هذه الصفقات للرأي العام باعتبارها إنجازات سعودية، في تكرارٍ لأسلوب طالما اعتمد على تجميل التبعية عبر لغة “التطوير” و“التحول”، دون أن يملك الداخل "السعودي" أدوات النقاش أو القدرة على مساءلة الطريقة والوجهة التي تُدار فيها مقدرات البلاد.
أما على المستوى السياسي، فقد جاءت الزيارة لتعيد إنتاج الخطاب ذاته الذي ساد خلال السنوات الأخيرة؛ تجاهل كامل للقضية الفلسطينية، قفزٌ عليها تحت ذريعة “فتح مسار للتسوية”، المسار الذي يُقدّم كشرط للانضمام لإتفاقات إبراهام، وكأن مسارات التسوية نفسها لم تُجرّب منذ مدريد وأوسلو وحتى “صفقة القرن”، ولم تُنتج سوى مزيد من التوسع الإسرائيلي وتآكل الحقوق الفلسطينية. الموقف السعودي، في هذا الإطار، لا يبدو ابتعادا عن التاريخ فحسب، بل تخليا عن الحد الأدنى من المعايير السياسية التي كانت تُستخدم لتبرير الخطوات الدبلوماسية السابقة. فلا يمكن فهم قبول الرياض المبدئي بالإنضمام لاتفاقات إبراهام إلا داخل مشهد إقليمي تُعاد فيه شرعنة (إسرائيل) بعد حرب الإبادة في غزة، بوصفها الشريك المقرَّب لواشنطن في إعادة تشكيل المنطقة. وفي هذا السياق، لا يمتّ التطبيع بصلة إلى قرار سياسي مستقل؛ بل هو امتثال مباشر لميزان قوى تفرضه الولايات المتحدة وتسعى إلى تثبيته، وتتعامل معه الرياض - رغم ارتداداته الخطيرة - كطريقٍ إلى الحماية وتحصين مشروعها الداخلي، لا كخيارٍ يستند إلى إرادة وطنية أو إلى رؤية سيادية فعلية، إذ لا وجود أصلا لفضاء سياسي يسمح بتبلور إرادة وطنية قادرة على رفض مثل هذا المسار أو مساءلة منطقه.
والحماية، في جوهرها، هي الكلمة المفتاح لهذه الزيارة. فالإلحاح السعودي على بناء قوة عسكرية متطورة، واقتناء منظومات مثل الـF35، لا يمكن فصله عن معادلة أكثر عمقا، الرغبة في امتلاك أدوات القوة الرمزية دون بناء شروط القوة الحقيقية. فالطائرات المتقدمة التي تُعرض على أنها دليل صعود عسكري لا تغيّر، في جوهرها، من الواقع؛ فأميركا لن تمنح الرياض نسخة مطابقة لتلك التي تمنحها ل(إسرائيل)، ولن تسمح بأن تتشكل قوة قادرة على العمل خارج مظلتها. إن القضية أشبه بطفل مدلل يتحوز على “لعبة كبيرة” ليشعر فقط بالعظمة أمام أقرانه، غير مدرك أن الحجم وحده لا يحدث الامتياز. فالتحكم الأميركي الدقيق بمنظومات الدفاع هو صلب الشراكة وليس هامشها، وهو ما يجعل كل إنفاق عسكري سعودي يصب في النهاية في تعزيز قدرة واشنطن على إدارة المجال الأمني للمنطقة.
ويبقى أنّ الجانب الأكثر إشكالية في هذه الزيارة لا يقتصر على مضمونها العسكري والاقتصادي، بل يمتد إلى ما تكشفه من بنية سياسية داخلية لا تسمح بأي نقاش عمومي حول خيارات الدولة. فالصفقات التي بلغت مئات المليارات، والاتفاقات التي ترسم مستقبل التكنولوجيا والطاقة النووية والموارد المعدنية، لم تخضع لأي آلية تداول وحوار وبحث في الجدوى والأولوية، بل جرى تمريرها تحت سلطة القرار الفردي، دون مشاركة المجتمع عبر مؤسسته التشريعية أو قنوات افتحاص ومصادقة. وفي الوقت الذي يحتفي فيه الإعلام الحكومي بـ“القفزة المستقبلية”، يُمنع أي صوت ناقد من مناقشة جدوى هذه التحالفات أو آثارها على السيادة أو الاقتصاد.
إنّ مشهد الصُحفية الجريئة التي لوّحت ب"قميص" جمال خاشقجي يعكس - ربما أكثر من أي فقرة في البيان الرسمي- هشاشة الرواية السعودية أمام أبسط مساءلة أخلاقية، ويكشف أن ملف الاغتيال ما زال جرحا مفتوحا في بعض الأوساط الغربية، مهما حاولت الرياض إغلاقه بالاستثمارات والتحالفات.
ومع ذلك، يظهر الجانب الأميركي أكثر انكشافا في هذه الزيارة مما يظهر الجانب السعودي. فالصورة التي حاول البيت الأبيض رسمها عن “شراكة تجمع القيم والمصالح” تتبدد أمام مشهد استقبال رئيسٍ تطارده أزمات داخلية ويستثمر في السياسة الخارجية لتعويض ضعف حقيقي في شرعيته. أن تقف “أكبر (ديمقراطية) في العالم” لتمنح تصنيفا استراتيجيا لأنظمة تُقصي شعوبها وتتعامل مع مواردها كملكية خاصة، هو فضيحة للخطاب الأميركي قبل أن يكون دليلا على اي نجاح سعودي مزعوم. إنها لحظة تكشف ازدواجية المعايير التي أصبحت سمة دائمة في السياسة الأميركية، حيث تُستدعى لغة الديمقراطية وحقوق الإنسان فقط عندما لا تتعارض مع مصالحها.
وعلى مستوى العالم الإسلامي، تُظهر الزيارة مفارقة لا تقلّ فداحة؛ صمتٌ رسمي شامل أمام إنفاق ضخم يذهب إلى دعم الاقتصاد الأميركي - الداعم لإقتصاد الكيان الصهيوني- بينما تعاني دول إسلامية من الفقر والهشاشة وانسداد آفاق التنمية. إن تحويل الأموال إلى صفقات دفاعية واستثمارات خارجية، في وقت تغيب فيه رؤية تنموية عادلة داخليا، يمثل امتدادا لتاريخ طويل من هدر الإمكانات في إطار تحالفات لا تُنتج سوى المزيد من الارتهان.
في المحصلة، لا تبدو زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل لحظة تعبير مكثف عن اختلالات ثلاثية: تبعية هيكلية للولايات المتحدة تُعاد صياغتها بلغة “الشراكة”، وطموح سعودي يرتكز على القوة الإستعراضية المجوّفة دون تأسيس القوة الواقعية التي مصدرها الشعب وسيادته على ثرواته، ونظام إقليمي يعاد تشكيله على حساب فلسطين التي غابت فعليا عن جدول الأعمال رغم مرور عامين على واحدة من أبشع حروب الإبادة في التاريخ المعاصر، وبرغم استمرار (إسرائيل) في عدوانها وحصارها لغزة برغم اتفاق "شرم الشيخ" لوقف إطلاق النار برعاية أمريكية!
إنها زيارة تُظهر في وضوحٍ صارخ ما تتعمد الخطابات الرسمية حجبه، وتدفع إلى سؤالٍ جوهري: أيّ معنى تبقّى للدولة السعودية إذا كان مسارها يُرسم في غرفة بيضاوية وتحت نظرة رئيسٍ لا يرى في العالم سوى امتدادٍ لشعار “أميركا أولا”، فيما تُنفق مئات المليارات لا لبناء مشروع وطني يملك شعبه حقّ صناعة المصير برسم الخيارات الكبرى، بل لشراء مظلة حماية تُبقي القرار خارج حدود السيادة الفعلية؟