في العام 2016 أطلق ولي العهد السعودي محمد بن سلمان خطته الاقتصادية "رؤية 2030" وحشد لها اعلاميا واصبحت حديث الإعلام في ذلك الوقت لأنها من حيث الظاهر قد تبدو جيدة على اعتبار أنها ستخلص المملكة من شبح الاعتماد على النفط وستعمل على تنويع الاقتصاد في البلاد، ولكن إلى أين وصلت هذه الخطة اليوم؟.
الخطة المذكورة مبنية على بيع 5% من اسهم شركة آرامكو النفطية العملاقة بهدف تمويل مشاريع اقتصادية داخل البلاد، وها هو العام 2019 يشارف على الانتهاء ولم يحدث شيء بخصوص بيع جزء من اسهم شركة آرامكو، حيث كان من المفترض ان تساهم العائدات المتوقعة من هذه الصفقة في تمويل المشاريع الاقتصادية الجديدة، ولا تزال حتى اللحظة معوقات العرض الأولي للاسهم دون حل، وما زاد الأمور تعقيدا هي المشكلات الجديدة التي تواجه السعودية والتي كان سببها سياسة ابن سلمان الطائشة والعديمة الجدوى.
لذا فإن خصخصة جزء من أرامكو هي آخر خطة لاستعادة ابن سلمان سمعته المفقودة والأمل في الظهور كقائد حديث وفعال.
تحقيقًا لهذه الغاية، أعاد محمد بن سلمان في 12 سبتمبر تنظيم إدارة صناعة النفط من خلال إقالة وزير الطاقة السعودي خالد الفالح ورئيس مجلس إدارة آرامكووتعيين اخوه غير الشقيق عبدالعزيز وزيرا للنفط، وكذلك تعيين مدير صندوق الاستثمارات العامة ياسر الرميان.
طبعا الرميان ليس لديه اي خبرة في مجال النفط، لكنه من المقربين لولي العهد السعودي، وسيكون طرح أسهم شركة آرامكو للبيع أسهل بكثير في عهده، وبالفعل ما ان استلم الرميان منصبه حتى أعلن بأنه سيعمل مع الوزارات المحلية والجهات العالمية ذات الصلة تمهيدا للطرح العام الأولي لأسهم الشركة.
المملكة كانت تسير على خطى عرض اسهم آرامكو للاكتتاب إلى ان حصل ما حصل في 14 سبتمبر، حيث هاجم "انصار الله" موقع محطة بقيق، الأكبر لمعالجة النفط في السعودية، والذي تديره شركة أرامكو المملوكة للدولة، كما استهدفوا حقل خريص النفطي، لينخفض على اثرها انتاج ارامكو من النفط الى النصف، والانتاج العالمي بنسبة 5%، ونتيجة هذا الهجوم تم تأجيل عرض أسهم من شركة آرامكو للاكتتاب العام.
شركة أرامكو السعودية هي الشركة الأكثر ربحية في العالم. ومع ذلك، وفقًا للمسؤولين السعوديين، يجب أن يتم طرح أسهمها على مرحلتين، حيث يفتقر المشروع إلى المصداقية.
بسبب نقص الشفافية، لم يرغب أي مركز مالي كبير في تقييم الشركة. منذ 80 عامًا، كانت الشركة مثالًا رئيسيًا على الغموض. لطالما كانت حساباتهم سر مرتبط بالدولة فقط ولا يتم الكشف عن اي معلومة بخصوص دخل أرامكو المادي ولا حتى ميزانيتها.
وبالاضافة إلى ما تقدم تواجه أرامكو السعودية خطر التقاضي المالي ضد رعاة الإرهاب وبين الحين والآخر تلوّح الولايات المتحدة بقانون "جاستا" المختصر لـ(العدالة ضد رعاة الإرهاب) أمام السلطات السعودية، وهو مشروع قانون مُرر من قبل مجلس الشيوخ بلا أي معارضة، في مايو 2016.
وفي سبتمبر 2016، مُرر كذلك بالإجماع من مجلس النواب، ويسمح ضمنياً بإجراء دعاوى قضائية ضد المملكة من قبل الضحايا أو أسرهم، وإن كان القانون نفسه لا يذكر الهجمات الدموية أو السعودية بالاسم، ولكنه يوحي بذلك تماماً. بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن قيمة أرامكو المطروحة مبالغ فيها. يطرح محمد بن سلمان سعر أرامكو بأنه أكثر من 2000 مليار دولار – اي أكثر من قيمة جوجل وأبل. لكن المحللين يعتقدون أن الرقم 1400 دولار أو 1500 مليار دولار هو على الأرجح تقدير أكثر دقة. ومع ذلك ، فإن التقدير الأولي أمر بالغ الأهمية للمستثمرين. فالمستثمرين لا يدعمون الشركة التي يتم تقييمها بشكل مبالغ فيه بسبب مخاطر انخفاض أسعار الأسهم.
بعد أن فشل محمد بن سلمان في إغراء المؤسسات المالية والبنوك الأجنبية، يقوم حاليا في خطوة رمزية لدعم الأسهم، من خلال جمع الأموال من أغنى الأسر السعودية.
في النهاية؛ لعب افتقار محمد بن سلمان لسياسة الشفافية وتصرفاته الجيوسياسية الأخيرة دوراً هاماً في تقويض طموحاته الاقتصادية. كيف يمكن أن يطمئن المستثمرين والمراكز المالية إذا كانت أكثر الشركات ربحية في العالم غير قادرة على حماية أهم مراكز التصنيع الخاصة بها؟.