بقلم: جمال حسن
سياسة البطش والطيش والتهديد التي أنتهجها الدب الداشر دفعت بالأنظمة الخليجية الشابة منها والعجوزة تلك التي كان يعول على حكمتها وحنكتها، لنراها اليوم في مقدمة المشاركين في سباق ماراثون التطبيع الخياني المذل المهين، ولم يعد الاعلان بكل وقاحة عن إقامة العلاقات الدبلوماسية عار على الأنظمة العربية وحكامها حتى ولو كان هزيل العمر ولم يبق له سوى سويعات تفصله عن الموت، ساعياً تسجيل أسمه في قائمة المنبطحين والراكعين الخانعين لراعي البقر الأمريكي لإنقاذ ملكه من عنجهية وغدر محمد بن سلمان التي بدأت بوادرها في احتلاله لمنطقة المهرة باليمن.
إنتكاسات متكررة لا تعد ولا تحصى تعيشها الأمة العربية والاسلامية هذه الأيام حيث قطار التطبيع يسير بأقصى سرعته نحو منحدر التطبيع الخياني والاعتراف الصريح بدويلة "إسرائيل" على أحدى أقدس بقاع العالم الاسلامي وقبلته الأولى، ونسيان القضية الفلسطينية وهي تعيش عقدها الثامن بعد أن كان العرب يتبجحون ويتشدقون طيلة قرون بقادة تحرير القدس من براثن الصليبيين وغيرهم، لتضييع أسمائهم في صفحات كتب التاريخ المدرسية ثم يكون مألها نحو مزابل النسيان في القريب العاجل، وهو ماشرعت به السلطة السعودية المعنية بإيجاد التغيير في الكتب المدرسية منذ عامين بأمر من ولي العهد إنصياعاً لرغبة سيد البيت الأبيض.
رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي ساوى بين الجلاد والضحية وبين الإجرام والاحتلال والشيطان والمقاومة عندما توعد باتخاذ "قرارات خطيرة"- بحسب وصفه - ضد أميركا و "إسرائيل" وحماس خلال أفتتاحه الدورة الثلاثين للمجلس المركزي لمنظمة التحرير قبل أيام في رام الله، كان أول المهرولين الى مهزلة خيانة قضية الأمة في سلطنة عمان، معلناً موافقته على "صفقة القرن" المعدلة المقترحة من السلطان قابوس الذي كان معروفاً بتعقله ودرايته وإذا به يستقبل أعتى المجرمين الصهاينة وأكثرهم بطشاً بالشعب الفلسطيني والشعوب العربية رئيس وزراء الكيان الغاصب "نتن ياهو" وزوجته ووفد اسرائيلي جاء بنكهة أمنية في مقدمته رئيس الموساد يوسي كوهين ببيت البركة بسلطنة عمان، ورافقه بأروقة المتحف العماني بكل خنوع وخضوع ملتمساً إياه القبول بتعديل جزئي على وعد بلفور الثاني "صفقة القرن" في ذكرى مئوية الأول.
وسائل الإعلام الإسرائيلية كتبت تقول، أن حوارات تل أبيب والعواصم الخليجية لم تعد سراً واضحت في العلن والوفود الإسرائيلية في حركة مكوكية شبه يومية على المنامة وأبوظبي ومسقط والدوحة والرياض دون خجل أو وجل، والمفاوضات الإسرائيلية الخليجية على أشدها للتوافق على اعلان ساعة الصفر وإطلاق زمام العلاقات الدبلوماسية وتبادل السفراء بين الجانبين.
وقال تقرير نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية يوم الأحد إن "دولة البحرين تجري هذه الأيام حواراً سرياً مع إسرائيل، للإعلان عن إقامة علاقات علنية بين الجانبين، تدشنها زيارة مرتقبة يجريها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الى المنامة". وكان وزير خارجية البحرين خالد بن أحمد آل خليفة قال، إنه "يتمنى النجاح لجهود السلطان قابوس بن سعيد، حاكم سلطنة عمان، لتجديد عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين".
ويوم الأحد أيضاً وصل وزير المواصلات والاستخبارات الإسرائيلي "يسرائيل كاتس" الى العاصمة العمانية بذريعة المشاركة في المؤتمر الدولي للمواصلات الذي سيعقد في مسقط، بهدف عرض مبادرته المشتركة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، لما أطلق عليه "سكك السلام الإقليمي"، وهو مشروع يهدف الى الربط بواسطة القطارات بين البحر الأبيض المتوسط ودول مجلس التعاون عبر الأراضي المحتلة، كجسر بري، وعبر الأردن، بوصفه محور مواصلات إقليمي - حسب كاتس الذي قال أن زيارته تأتي ضمن "تعزيز المحور الذي يتجاوز ايران، من خلال تطبيع العلاقات من منطلق القوة، فهذا التوجه مهم، إنه حقيقي وممكن".
قبل ذلك شارك وزير الاتصالات الصهيوني أيوب قرا في مؤتمر “المندوبين المفوضين للاتحاد الدولي للاتصالات” بدبي، وقال: نسعى لتعزيز علاقاتنا مع البلدان الخليجية بهدف إبعادها عن ايران وهذا ما يتلائم ورغبتنا وسياسة الرئيس الأمريكي ترامب ايضاً.
وكانت وزيرة الثقافة والرياضة ميري ريغيف نشرت في صفحتها على موقع “فيسبوك” الأسبوع الماضي تسجيلا مصورا في مشهد خطف الاضواء تظهر فيه وهي تقوم بجولة في مسجد الشيخ زايد في العاصمة الإماراتية أبوظبي. وجاء ذلك غداة عزف “النشيد الإسرائيلي” الذي يتوعد الأمة العربية بقطع الرؤوس والإمتداد نحو الشرقة حتى تحقيق حلم بني صهيوني من النيل الى الفرات (بالإمكان البحث عن معنى النشيد الصهيوني على غوغل ببساطة)، وذلك حضور ريغيف في بطولة عالمية للجودو في العاصمة الإماراتية، والوفود الرياضية الاسرائيلية بالدوحة (مشهد معتاد) لدى الدول العربية "المعتدلة".
ويقول شلومو شامير الكاتب الإسرائيلي في صحيفة "معاريف" والدبلوماسي الإسرائيلي سابقأً والمطلع على الشئون الأمريكية بتوسع، إن "جهاز الموساد للمهام الأمنية الخارجية بات يحظى بتقدير متزايد في أعقاب الدور الذي قام به لإنجاح الاتصالات الإسرائيلية الخليجية في الآونة الأخيرة"، مضيفاً إن "لديه معلومات تفيد بزيارات عدة قام بها كوهين للسعودية ولقائه محمد بن سلمان والتي جاءت رداً على زيارة الأخير لتل أبيب قبل اشهر، ليحصل بفضله الدفء بعلاقات الرياض وتل أبيب.
فيما كتب "بن كاسبيت" المحلل السياسي في موقع "يسرائيل بلاس" المقرب من الاستخبارات الإسرائيلية يقول، إن "كوهين بات الموفد السري الشخصي لنتياهو للدول العربية، في ظل مساعيه الجارية لتشكيل تحالف استراتيجي يخرج العلاقة الرومانسية السرية مع البلدان العربية وفي مقدمتها دول مجلس التعاون مع إسرائيل الى حيز العلن، حيث تم تتويجها بزيارة نتن ياهو لمسقط والتي تفاخر بها العمانيون، على غير العادة، ولم يلجأوا للتقليل منها".
يرى البعض أنها الحلقة الأهم التي تفسر دوافع المخطط الصهيوني المدروس ضد العالم العربي والاسلامي بدأ بتدمير العراق، ثم سورية، ثم ليبيا، وبعدها اليمن، وتجويع مصر.. فبدون تدمير هذه الدولة مسبقا، تحت ذرائع متعددة وكاذبة، لا يمكن أن يمر مثل هذا المخطط، ومن المستحيل ان نرى تبعاته التطبيعية المؤلمة هذه، ومن السخافة أن نسمع يوسف بن علوي وزير خارجية عمان تلك الدولة التي نأت بنفسها عن الكثير من الحروب والمخططات التدميرية للمنطقة؛ وهو يقول أن زيارة "نتن ياهو" التي سبقتها زيارة محمود عباس لمسقط، جاءت في الاطار الثنائي، وبطلب منهما، واضاف “لسنا وسطاء.. والدور الأمريكي هو الرئيسي، واسرائيل دولة في منطقة الشرق الاوسط”!!.
فيما يؤكد مراقبون أنها هجمة تطبيعية منسقة، بضغوط أمريكية ودفع سعودي سلماني، ليس لها علاقة مطلقا بالسلام الفلسطيني الاسرائيلي، وانما السلام “المجاني” بين إسرائيل والحكومات العربية، تمهيدا لفرض ما تبقى من بنود لصفقة القرن التي تعني حرفيا إستغلال حالة الانهيار الرسمي العربي لتصفية القضية الفلسطينية، وإنهاء الصراع العربي الاسرائيلي، والإعتراف باسرائيل كدولة شرق اوسطية “شقيقة”.
وهكذا يصف الشاعر السوري عماد الدين طه حال الأمة:
أجراسُ العودةِ إنْ قُرِعَتْ .. أو لمْ تُقْرَعْ فلِمَ العجلةْ؟
لو جئنا نقرعها حالا .. كانتْ "دُمْ تكُ" كالطبلةْ
فالعُرْبُ بأخطرِ مرحلةٍ .. وجميع حروفِهمُ عِلّةْ
أغرتهم كثرتهمْ لكنْ .. وبرغمِ جموعِهُمُ قِلَّةْ
وبوادي النّملِ إذا عَبَروا .. سَتموتُ مِنَ الضحكِ النّملةْ