أدلى الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك ببيان قبل فترة وجيزة من السقوط نتيجة الاحتجاجات الشعبية التي أصبحت فيما بعد تحظى بشعبية كبيرة. وقال: "المتغطي بالأمريكان عريان". وعلى الرغم من أن التطورات في الشرق الأوسط وأفريقيا على مدى العقد الماضي قد أثبتت صحة ذلك، خاصة في أعقاب التطورات السياسية المتغيرة بسرعة في أفغانستان والتي أدت إلى الإطاحة برئيس يتمتع بالحماية الأمريكية، فإن كابوس هذه الجملة قد حل مرة أخرى في رأس ملك أخر هو محمد بن سلمان.
يواجه بن سلمان هذا الكابوس في ظل توترات داخلية ودولية عديدة، وهو مستمر في تعليق آماله وتطلعاته للوصول إلى عرش المملكة العربية السعودية دون أي مشاكل على حليفه الأمريكي الذي دفع له مئات المليارات من الدولارات في السنوات الأخيرة ككلفة لحمايته للوصول الى مبتغاه.
قلق بن سلمان والتوجه نحو الشرق
تزايد مخاوف ال سعود بشأن حليفهم الرئيسي، دفعهم الى ارسال نائب وزير الدفاع، خالد بن سلمان، إلى موسكو لتوقيع اتفاقية تعاون عسكري مع روسيا. وعلى الرغم من عدم تفاؤل العديد من المحللين بمصير الصفقة، يبدو أن السعوديين يستخدمونها كتحذير وعقاب للجانب الأمريكي، الذي لا يظهر حسن النية لمسؤولي الرياض هذه الأيام.
من ناحية أخرى، يريد السعوديون تحذير بعض القوى الغربية، بما في ذلك كندا وألمانيا وبلجيكا، التي فرضت قيودًا على صادرات الأسلحة إلى اليمن نتيجة للحرب التي استمرت ست سنوات ضد الدولة المنكوبة بالمجاعة، من أنها قد تزود بالسلاح من خلال قنوات أخرى بالطبع، يتم اتباع هذه السياسة بحذر أكبر تجاه الأمريكيين. لأن الأمريكيين أظهروا بالفعل في حالة تركيا وحتى الرياض أن شراء أنظمة الصواريخ الروسية S400 من قبل حلفائها هو الخط الأحمر للبيت الأبيض.
أبعاد التشابه بين أفغانستان والسعودية
يستند قلق بن سلمان من التطورات في أفغانستان إلى ثلاثة نقاط أساسية على أنها "نقص في توطين الجيش"، و "عدم دعم الولايات المتحدة لحلفائها في الظروف الصعبة"، و "عدم تعاون الرأي العام المحلي مع الحكومة" وهو ما سنقوم بتفصيله فيما يلي.
عدم توطين القدرات العسكرية:
على الرغم من أن الجيش السعودي مقبول نسبيًا من حيث درجات الدراسة العسكرية والدوائر البحثية بناءً على المعدات العسكرية المتطورة والإمكانات البشرية العالية، فإن المشكلة الرئيسية التي واجهتها الرياض، خاصة خلال السنوات الست الأخيرة من الحرب في اليمن، هي عدم المواءمة بين هذه المعدات المتطورة والعقلية العسكرية البدائية في الجيش السعودي. كان هذا هو الحال مع الانهيار السريع للقوات المسلحة الأفغانية ضد طالبان، الذين كانوا مسلحين بالأسلحة الخفيفة فقط.
كما تجلت هذه الظاهرة بشكل خاص في المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة من الحرب في اليمن، مع انتشار ظاهرة مرتزقة الحرب القادمين من الدول الآسيوية والأفريقية الفقيرة إلى الحدود السعودية وهو ما يدل على أن السعودية لا تمتلك جيشاً لديه سيادة للتعامل مع التهديدات. على الرغم من أن هذه علامة تحذير للجيش السعودي، والأخطر من ذلك، أن الروح القومية والعسكرية للجيش ليست عالية في دعم الحكم السعودي.
عدم دعم الولايات المتحدة لحلفائها في المناسبات الخاصة:
على مدى السنوات العشر الماضية، لاحظ حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة مرارًا وتكرارًا أن الولايات المتحدة تتهرب من دعمهم بذرائع مختلفة في مناسبات خاصة، عندما يحتاج حلفاؤها إلى مساعدة كبيرة من واشنطن في مواجهة الاحتجاجات المحلية. وقد لوحظت هذه القضية في مصر وتونس واليمن خلال العقد الثاني من الألفية الحالية، واليوم مع هروب أشرف غني من أفغانستان، أعيد إحياء هذا الكابوس للحكومات التابعة للولايات المتحدة في المنطقة.
ومن هنا يجب على ال سعود ألا ينتظروا الدعم الأمريكي للحفاظ على سيادتهم إذا فقدوا مبادرة السيطرة على البيئة الأمنية من حولهم. يتزايد قلق حكام الرياض بشأن الطريقة التي ستتعامل بها واشنطن معهم عندما نرى عددًا من القضايا المثيرة للجدل، بما في ذلك مطالبات التعويض الأمريكية ضد المملكة العربية السعودية ل 3000عائلة من ضحايا 11 سبتمبر / أيلول، خاصة في ظل وجود رئيس يكن البغض للسعوديين كجو بايدن.
عدم تعاون الرأي العام المحلي مع الحكومة:
تظهر إعادة النظر في التطورات المتعلقة بالانتخابات الأفغانية ووصول أشرف غني إلى السلطة في انتخابات مثيرة للجدل، ضعف دعمه بين الأفغان. يواجه حكم آل سعود حاليًا العديد من التحديات في سياقه الاجتماعي. على الرغم من أن الرأي العام السعودي ليس لديه موقف داعم تجاه المسؤولين السعوديين، ونتيجة للضغوط الاقتصادية والتمييز والفساد في هيئة الحكم السعودية، ينتقد الكثيرون آل سعود، لكن البيئة الأمنية السعودية لا تسمح بهذه الاحتجاجات. بالطبع، يدرك محمد بن سلمان جيدًا أن هذه العملية يمكن أن تستمر على المدى القصير، وعلى المدى الطويل يجب عليه اتخاذ خطوات لتلبية المطالب العامة للشعب من أجل منع سقوط حكمه.
في الختام، ان كل هذه النقاط تدل على أن محمد بن سلمان لا يستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة في عملية الوصول إلى السلطة قبل الموت الطبيعي لسلمان بن عبد العزيز، ولكن أيضًا لا يمكنه الاعتماد على أمريكا من أجل حمايته وحماية النظام السعودي من التهديدات الداخلية والخارجية. بالتالي عليه التوجه شرقاً من اجل إيجاد البديل الذي يمكنه ان يحل محل الأمريكي الا أنه أيضا لن يجد فسحة كبيرة شرقاً بسبب الحسابات الصينية الروسية مع أمريكا والحرب الباردة التي تدور بينهم في الخفاء.