الجميع يعلم أن علاقة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مع ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، تشبه الى حدٍ بعيد العلاقة بين التلميذ والمعلم، وجميع أمراء آل سعود كانوا ينظرون بعين الريبة الى هذه العلاقة التي قد تكلف العائلة مستقبلها وبقائها في الحكم، وفي كثير من الأحيان كان التلميذ يتفوق على استاذه، لكن في حالة ابن سلمان لم يكن الوضع كذلك، بل أكثر من ذلك يبدو أن المعلم تخلى عن تلميذه في اصعب الاوقات، ليبقى على اثرها ابن سلمان وحيدا محاصرا بالفوضى التي خلقها خلال السنوات السابقة، ويتربع ابن زايد على عرش المشهد الاقليمي بعد تدخله بكل من ليبيا واليمن وخلق مشروع تقسيمي في كلا البلدين ليخدم مصالحه، ناهيك عن نجاحه في مصر بدعم الرئيس السيسي وكذلك قدرته على العودة الى المشهد السوري من خلال اعادة العلاقات مع دمشق.
اليوم يظهر ولي العهد السعودي وحيدا خارج اي لعبة سياسية غارقا في المشاكل الداخلية والخارجية التي سببتها سياسته في الداخل والخارج، وبعد أن جاءت جائحة كورونا وعصفت بالاقتصاد السعودي وسببت عجزا في الميزانية وتراجع في اسعار النفط، لا نعتقد بان ابن سلمان سيكون قادرا في السنوات المقبلة على النهوض من جديد ولعب دور فعال في السياسة الاقليمية والدولية وسيتصدر المشهد عوضا عنه ابن زايد الذي انقلب عليه في اليمن وحصد نتائج الحرب لصالحه، وها هو الآن ماض في مشروع التقسيم، بعد ان نفذت مليشيا "المجلس الانتقالي الجنوبي" المدعومة اماراتيا انقلابا جديدا على حكومة هادي في جنوب اليمن في الربع الأخير من الشهر الماضي والذي رفضته السعودية ولكنها في الوقت عينه عاجزة عن ايقافه هذه المرة.
الجميع يعلم أن "المجلس الانتقالي الجنوبي" لن يقوم بهذا الانقلاب ويمزق اتفاق الرياض من دون ضوء أخضر اماراتي، والذي يؤكد هذا الأمر تواجد رئيس المجلس عيدروس الزبيدي أثناء اعلان الانقلاب في الامارات، وعلى اثر ذلك اعلن المجلس فرض حالة الطوارئ العامة في عدن والمحافظات الجنوبية تمهيدا للسيطرة على عدن وسقطرى، وبرر هذا الانقلاب بعدم قدرة ما يسمى الحكومة الشرعية على ادارة محافظات الجنوب وتحسين الوضع المعيشي وقيامها بتمزيق اللحمة الوطنية.
ما يسمى بالحكومة الشرعية، اعترضت على هذا الانقلاب ووصفته بالتمرد المسلح، من جهتها أعلنت كل من اللجنة الأمنية بمحافظة شبوة والسلطة المحلية بمحافظة سقطرى رفضهما لبيان الانتقالي وعداه انقلابا على الشرعية اليمنية، بينما تواترت أنباء عن تمرد أركان اللواء أول مشاة بحري بسقطرى وانحيازه للمتمردين، وفيما يتعلق بالموقف السعودي، فقد التزمت الحكومة السعودية الصمت عدة أيام، لكن وكالة الأنباء السعودية "واس" وصفت إعلان الانتقالي الجنوبي بالمستغرب، قبل أن تصدر الحكومة السعودية بيانا الثلاثاء 28 إبريل ، دعت فيه الانفصاليين إلى الالتزام باتفاق الرياض وإلغاء أي خطوة قام بها في محافظات جنوبي اليمن واعتبرتها تخالف اتفاق الرياض الذي جرى توقيعه بينه وبين الحكومة اليمنية في نوفمبر2019/تشرين الثاني الماضي حسب التعبير السعودي.
أصبح واضحا مدى هشاشة الدور السعودي في اليمن وكيف ان الامارات تمكنت من قلب الطاولة على ابن سلمان، وكيف تراجع النفوذ السعودي، وكيف فقدت ثقلها وتاثيرها في اليمن، وكل ما تسعى اليه المملكة السعودية اليوم هو الخروج من الحرب اليمنية بصمت وبأقل الاضرار واذا ساعدتها احدى الدول الكبرى في الخروج بشكل اسرع ستكون ممتنة لها، لان السعودية لم يعد بإمكانها اكمال حرب اليمن في ظل الظروف التي تمر بها، وهذا ما ادركته الامارات وعملت على استغلاله تمهيدا للسيطرة على اهم الموانئ اليمنية والتحكم بحركة الملاحة في البحر الاحمر وصولا الى المتوسط والخليج.
الامارات لم تكتف بحصد نتائج الحرب في جنوب اليمن، بل امتد نشاطها الى ليبيا لتقود انقلابا آخرا هناك بقيادة اللواء حفتر وتدعم ما يسمى بالجيش الوطني الليبي، لمنع الاسلاميين من الوصول الى السلطة وهذا ما تحاول كل من قطر وتركيا منعه عن طريق الوقوف في وجه قوات حفتر ودعم حكومة الوفاق بقيادة فايز السراج، وفي الآونة الأخيرة تراجعت قوة حفتر بعد أن حاصرته قوات حكومة الوفاق في قاعدة الوطية الاستراتيجية المهمة والتي من خلالها كان يشن عملياته على طرابلس، ولكن في نفس الوقت لايزال يتحكم بمصادر النفط وهذا ما تهتم به الامارات وستعمل على الحفاظ عليه قدر المستطاع، وعلى هذا الاساس انقلب خفتر بدعم اماراتي على اتفاق الصخيرات للتغطية على هزائمه وتنفيذ الاجندة الاماراتية والتي غايتها تصدر المشهد الاقليمي وسحب البساط من تحت السعودية في الفترة المقبلة.