من 2009 إلى 2025… الأسباب التي يسوقها النظام لم تتغيّر، والفاجعة تتجدد
منذ كارثة سيول جدة 2009 التي راح ضحيتها أكثر من 120 إنسانًا، والنظام السعودي يكرر ذات الخطاب كل عام:
«أمطار غزيرة غير مسبوقة… ظروف مناخية استثنائية… مشاريع كبرى ستمنع تكرار الكارثة…»
ومع ذلك، وبعد مرور ستة عشر عامًا، لا يزال المشهد هو نفسه:
جدة تغرق، مكة المكرمة تغرق، المدينة المنورة تغرق…
السيارات تطفو، البيوت تُغمر، الناس يُصعقون بالكهرباء، والأرواح تُزهق لأسباب يعرفها الجميع، لكن لا أحد في السلطة يريد مواجهتها.
هذا المقال يتابع ملف غرق جدة ومكة والمدينة منذ 2009 حتى 2025، ويشرح لماذا تتكرر الكارثة كل عام رغم الوعود، ورغم مليارات الريالات التي قيل إنها صُرفت على شبكات تصريف الأمطار، ورغم التطبيل الإعلامي بأن «كل شيء تحت السيطرة».
أولًا: ماذا يقول النظام السعودي منذ 2009 وحتى اليوم؟
خلال 16 عامًا من السيول، لم يتغير خطاب الإعلام الرسمي إلا في الصياغة، لكن المحتوى ثابت:
_ «الأمطار غير مسبوقة»
يقال هذا كل عام…
2009، 2011، 2018، 2020، 2021، 2022، 2023، 2024، 2025.
وكأن السعودية تقع في جزر الأمازون، لا في منطقة جافة أمطارها موسمية معروفة النمط منذ مئات السنين.
_ «جهود كبيرة من الدفاع المدني»
يتم التركيز على الإنقاذ كإنجاز عظيم ويتم التجاهل لفكرة (لماذا كل عام يتم الإنقاذ ولم تجدوا حل أساساً لعدم تحول المطر إلى فيضان وسيول جارفة!!)
_ «مشاريع تصريف ضخمة»
بعد كل موجة تُغرق المدن، تعلن الأمانات والبلديات عن «مشروعات جديدة»، دون أي **كشف للمشاريع السابقة، أو تقييم لقدرتها، أو محاسبة لمن استلمها».
_ «تحذير المواطنين»
يتم تحميل جزء من المسؤولية للناس:
«لا تخرجوا… لا تعبروا… التزموا التعليمات».
بينما لم يجرؤ الإعلام الرسمي يومًا على السؤال:
لماذا تُغرق الأمطار مدنًا يفترض أنها حديثة وغنية ومنفذة بمعايير عالمية؟
من 2009 إلى 2025، الأعذار واحدة، والخطاب واحد، والنتيجة واحدة:
المدن تغرق… والناس تدفع الثمن.
ثانيًا: ماذا تقول الدراسات العلمية عن جدة ومكة والمدينة؟
بعكس الخطاب الرسمي، تُجمع الدراسات العلمية الدولية والسعودية نفسها على أن المشكلة ليست المطر، بل:
_ البناء فوق مجاري السيول (الأودية)
جدة وادي كبير، ومكة والمدينة محاطة بشبكات أودية طبيعية.
حين تُبنى:
_ أحياء سكنية
_ مولات
_ شوارع
_ مشاريع تجارية
فوق مجاري السيول
فالنتيجة:
مجرد 30–80 ملم مطر قد يُغرق المدينة بالكامل.
_ التوسع العمراني العشوائي
دراسات كثيرة (مثل Youssef et al. 2016 وغيرها حتى 2024) تؤكد أن سنوات البناء العشوائي بعد الطفرة النفطية أغلقت مسارات السيول الطبيعية.
_ غياب شبكات تصريف كافية
أكثر من نصف جدة مثلًا لا يملك شبكة تصريف أمطار متصلة حتى اليوم.
ما يوجد هو:
_ نقاط تجميع
_ أنابيب قصيرة
_ مشاريع لم تُستكمل
_ أو شبكات غير كافية لمعالجة أمطار غزيرة قصيرة.
_ هشاشة البنية التحتية الكهربائية والمائية
هذا ما يفسر وفاة أشخاص بالصعق الكهربائي كل عام…
الأمطار تكشف ضعف العزل، وضعف الرقابة، وانعدام المحاسبة.
_ تغير المناخ يزيد الكمية… لكنه لا يخلق المشكلة
نعم، تتزايد شدة الأمطار بنسبة 15–20٪ في غرب السعودية وفق بحوث 2023–2025.
لكن:
المدن المتقدمة لا تغرق بسبب 100 مم خلال 6 ساعات.
فقط المدن ذات البنية التحتية الضعيفة تغرق.
ثالثًا: ماذا يقول الإعلام العالمي منذ 2009؟
على عكس الإعلام المحلي، الإعلام العالمي — من CNN، BBC، AP، FloodList، NASA— يربط الفيضانات بـ:
1_ فساد مشاريع تصريف سيول جدة بعد 2009
حيث صُرفت مليارات، لكن:
_ لم تظهر النتائج
_ لم تُكشف أسماء المستفيدين الحقيقيين
_ لم تُبنَ شبكة تصريف متكاملة حتى اليوم.
2_ سوء التخطيط في مكة والمدينة
مع تكرار التحذيرات بأن:
_ أي سيول جديدة قد تعيق الحج أو تهدد حياة الحجاج
_ المخطط العمراني لا يضع مسارات الأودية في الحسبان.
3_ كون السعودية أغنى دولة عربيًا… لكنها عاجزة عن منع الغرق
المقارنة دائمًا قاسية:
_ ناطحات السحاب
_ مشاريع الترفيه
_ مدن المستقبل
… بينما مدن تاريخية وأساسية تغرق من مطر لعدة ساعات.
رابعًا: لماذا يتكرر الغرق؟
هنا خلاصة الأسباب الحقيقية التي يتجاهلها النظام:
1_ الفساد في مشاريع البنية التحتية.
2_ البناء على الأودية وتجاهل المسارات الطبيعية للسيول.
3_ غياب شبكات تصريف متكاملة رغم مليارات الميزانيات.
4_ سوء تنفيذ المشاريع وغياب الرقابة العلمية والفنية.
5_ هيمنة قرار فرد واحد على جميع المشاريع دون محاسبة حقيقية.
6_ انعدام الشفافية: لا تقارير، لا تقييم، لا إعلان أسماء الشركات، لا محاسبة مسؤولين كبار.
7_ إعلام رسمي يروّج الأعذار نفسها منذ 2009 حتى اليوم.
خامسًا: بين الحقيقة والوهم
مشكلة المدن ليست السماء… بل الأرض التي أدارها الفساد
المطر ليس مشكلة.
السيول ليست مشكلة.
الدول المتقدمة تواجه أمطارًا أشد بعشرات المرات… ولا تغرق.
المشكلة الحقيقية هي:
_ من منح العقود؟
_ من استلم المشاريع؟
_ من تجاهل الخرائط الجيولوجية؟
_ من سمح بالبناء على مجاري الأودية؟
_ومن يكرر نفس الأعذار منذ 2009 إلى اليوم دون أن يجرؤ إعلام واحد على طرح سؤال بسيط:
من المسؤول؟
خاتمة
ستستمر جدة ومكة والمدينة في الغرق… ما دام الخطاب واحدًا منذ 2009
طالما أن:
_ الإعلام يلوم المطر
_ المشاريع تُنفذ بلا شفافية
_ الناس تُلام على الخروج من منازلها
_ والفساد البنيوي لا يُعالج
فستغرق جدة ومكة والمدينة كل عام، وسيموت الناس مرة بعد أخرى، وسيظل النظام يقول:
«أمطار استثنائية».
بينما الحقيقة بسيطة وقاسية:
المدن لا تغرق من مطر السماء… بل من الأرض التي سكنها الفساد والفشل المؤسسي.