بقلم: فيصل التويجري
كانت الصين وروسيا تقفان حتى يوم عقد قمة العشرين في الأرجنتين بعيدتان كل البعد عمّا يجري من مُتاجرةٍ بدم الصحفي السعودي جمال خاشقجي الذي اغتالته أيادي بن سلمان منذ اكثر من شهرين في قنصلية بلاده في إسطنبول. وعلى ما يبدو أن في الأمر سرّاً يلوح في الأفق أجب هاتين القوتين العظمتين الى الانتظار حتى يوم أمس وهو سقوط أميركا من على الشجرة، خاصة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبسياسته التي ينتهجها لا يُقدِّس الحقيقة بل يُقدِّس المصالح الأميركية تحت مظلَّة العنصرية، والمصالح الخاصة على وجه الدِقّة تحت عباءة الشراكة الاستراتيجية مع السعودية. كما أنه معروف للجميع أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قفز بسرعة كبيرة الى العرش وذلك بفضل الدعم الأمريكي الكبير له حيث قال ذات مرة ترامب أن الذي في السلطة السعودي اليوم هو رجلنا"، كما هو معروف أيضاً أن ابن سلمان معروف بداعم خزائن وجيوب ترامب، مع أن الأخير يؤكّد أن "السعودية كانت جزءاً كبيراً من الإرهاب ولولاها لكانت إسرائيل في ورطةٍ كبيرة"، بل إنه يُقايض أسعار النفط مقابل دم خاشقجي.
وبالرغم من أن جريمة قتل خاشقجي بشعة ولا يمكن لأي عاقل أن يتقبّلها، كانت الصين وروسيا بثقليهما الاقتصادي والعسكري والسياسي في العالم تتّخذان موقفاً صادماً فلم بشيطنا القاتِل ولا المقتول، وبحسب محللين سياسيين فان موسكو وبيكين تدركان جيّداً أن شيطنة الأطراف المُتاجِرة بدم القتيل الأصل في القضية، والمرجع في كل ما جرى ويجري تحت الطاولة بين المملكة والبيت الأبيض.
لقد باتت السعودية اليوم عبئاً على العالم الإسلامي، ويمكن القول أيضاً أن ولي عهدها بن سلمان انتهى سياسياً وأخلاقياً لأن الجريمة التي ارتكبها ضد خاشقجي هي الأسوء على مر التاريخ، يُضاف الى ذلك الجرائم اليومية التي ترتكبها طائراته وصواريخه بحق أطفال اليمن والتي يقال ومن أعلى منبر الأمم المتحدة "إنها الأسوأ في التاريخ البشري". وبالرغم من كل ما تقدم، للأسف يمكننا الجزم أن محمد بن سلمان سيبقى على عرشه ولن يتنازل عنه وذلك لأنه أصلاً لا يؤمن بالقِيَم الإنسانية ولا يُعير أيّ اهتمام لضميره وللضمير البشري ككل. أما الضمير الديني الذي تتغنّى به أسرة بني سعود الحاكِمة مند ظهور المملكة فإنه مُجرّد غلافٍ سياسي لأفعال لا صلة لها بالدين يقول ترامب: "إسرائيل كانت لتصبح في مأزقٍ كبيرٍ لولا السعودية"، والاعتراف هنا يؤيِّد ضمنياً ما قدَّمته السعودية لإسرائيل في حرب لبنان الأخيرة وحماس لا يُقدّر بثمن، بل تقول مصادر استخباراتية عدّة إن تكلفة الحرب على لبنان سدَّدت ثمنها السعودية عن طريق اللوبي الصهيوني في أميركا.
وفي هذا السياق تشير معطيات آتية من داخل مراكز الحكم في السعودية أن بن سلمان يستعد الى جرّ المملكة إلى انقلابٍ دموي، وهو ينتظر ساعة الصفر الأمريكية لتحقيق ذلك، وهنا تطرح اشكاليتين الأولى أنه لا يمكن لعاقلٍ يؤمن بأداء فريضة الحج وزيارة الأماكن المُقدَّسة في وقت تسيطر عليها عصابة لا تؤمن بحُرمتها ولا حتى بحُرمة الروح الإنسانية. أما الإشكالية الثانية وهي أن دوائر صُنْع القرار السياسي في أميركا تؤكِّد أن ترامب يُدافِع عن شخصٍ مُتهالِكٍ ويقوِّض- بالتالي - قِيَم حقوق الإنسان والديمقراطية اللتين تتفاخر بهما أميركا، لذلك فإن إعلاماً وساسة أميركيين يؤكّدون أن "ترامب خان قِيَم أميركا، وباع نفسه للسعوديين"، وبالتالي إنْ لم يتراجع - وأظنّه لن يتراجع لتهوّره، فإنه في الحال الأخيرة إما تُسحَب منه الرئاسة بالعَزْل وإما يُقتَل مثل ما قُتِلَ جون كينيدي.
ختاماً، بالرغم من العزلة الإسلامية والعربية والدولية التي تمر بها السعودية اليوم من المُبكِر الحكم على خروج ابن سلمان سالِماً من الاتّهام بالقتل، لكن من المُبكِر أيضاً القول إنه سيخرج من الحُكم بعد الاتّهام لأنه قد يرفض ويبقى حاكِماً، بسبب الدعم السياسي الذي يتلقاه حتى الساعة من الأمريكيين، وان انقطع هذا الدعم فالروسي والصيني حاضران لملء الفراغ.