انجاز جديد يضاف إلى انجازات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، على خلفية الانقلاب الذي شهدته الأردن وكاد يهز عرش الملك الأردني عبدالله الثاني، ولاشك بأنها صفعة موجعة للعاهل الأردني أن تعبث دول حليفة بأمن بلاده، وبحسب جميع التقارير الأمريكية والاسرائيلية والعالمية فإن أصابع الاتهام موجهة نحو السعودية وإمارة خليجية أخرى قيل بإنها "إمارة أبوظبي"، وبهذا يكون ابن سلمان صب الزيت على النار من جديد في المنطقة وعليه سيكون مستقبله السياسي بحكم المجهول، لطالما انه يتبنى هذا الفكر في التعاطي مع دول المنطقة.
المؤشرات الأردنية والأشخاص الذين تم اعتقالهم في حادثة الانقلاب وكذلك مسارعة السعودية عبر الديوان الملكي لاصدار بيان خلال اقل من ساعة لتأكيد وقوف المملكة الى جوار الاردن، يدل على ان للسعودية يد فيما حصل.
نبدأ مع الأشخاص الذين تم اعتقالهم، والذين لم يتم ذكر اسم أياً منهم، سوى باسم عوض الله وحسن بن زيد، وبدون ادنى شك تم ذكر هذين الاسمين كرسالة واضحة من الاردن للسعودية بأننا نعلم انكم تقفون خلف هذا الانقلاب ولهذا نحذركم من العبث بأمننا، والسؤال لماذا لا تقاطع الاردن السعودية أو توجه الاتهامات لها بشكل مباشر، في حال كانت مطمئنة بأن السعودية تقف خلف هذه الفوضى؟.
نعتقد ان مصالح الاردن أهم من ان تقاطع المملكة الهاشمية، السعودية، لأن الأردن لا تملك اي مقومات اقتصادية تجعلها تقف على قدميها دون مساعدات خارجية، واذا بحثنا من اين تأتي هذه المساعدات الخارجية، سنجد انها من الخليج لاسيما الامارات والسعودية وكذلك الولايات المتحدة الامريكية، بشرط أن تحقق الاردن مصالح هذه الدول وألا تخرج عن نهجهم، ولكن في الحقيقة تغيرت الأمور كثيرا بعد أن طبعت الامارات مع اسرائيل واصبحت السعودية اقرب لاسرائيل وربما تتطبع معها بين ليلة وضحاها.
اذا الاردن ستمارس دبلوماسيتها مع السعودية حتى الرمق الاخير، لأن اي خلاف مباشر معها سيجعل اقتصاد الاردن أسوء مما هو عليه اليوم، فالاردن ليست قطر، ولا تملك ثرواتها الباطنية، والواضح ان فشل الانقلاب سببه عدم وجود ضوء أخضر امريكي لانجاحه، فالاردن دولة غير مشاكسه ولم تفعل ما يغضب أمريكا، حتى ان رفضها لصفقة القرن جاء دفاعاً عن وجودها وأمنها، ويبدو ان هذا ما أغضب السعودية والامارات اللتان كانتا تريدان انجاح صفقة القرن الترامبية ولكن ظروف المنطقة لم تسمح بذلك.
نعود إلى سبب التكهنات الدولية بأن الرياض تقف خلف انقلاب الاخ غير الشقيق حمزة بن الحسين على اخيه الملك عبدالله، فالشخصيات التي تم اعتقالها، لاسيما "باسم عوض الله"، أكدت تورط المملكة، حيث عمل باسم عوض الله رئيسا للديوان الملكي الأردني سابقا، ثم عينه الملك عبد الله مبعوثا إلى السعودية، قبل أن يقال في العام 2018، ليصبح بعدها مقربا من ولي عهد السعودية محمد بن سلمان، وأحد القائمين على مشروع مدينة "نيوم".
أكثر من ذلك إذ أكدت مصادر رسمية أردنية بعد إقالة باسم عوض الله من منصبه كمبعوث للأردن لدى السعودية، أن الأخير كانت له علاقات قوية مع القصر الملكي السعودي، وأن هذه العلاقات بدأت إبان عهد الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز، حتى ان عوض الله أقام علاقات مع الإمارات أيضا، حيث عُيّن عضوا في مجلس إدارة كلية دبي للإدارة الحكومية عام 2008.
وظهر باسم عوض الله في المؤتمر الاقتصادي الذي عقدته السعودية في أكتوبر 2018، بعد أيام من مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، وهو المؤتمر الذي كان يهدف لإطلاق رؤية محمد بن سلمان الاقتصادية، وهو ما يؤكد على دور عوض الله في هذا الملف الرئيسي في سياسات ابن سلمان.
فور فشل الانقلاب حاول ابن سلمان امتصاص غضب الاردن، من خلال ارسال وزير الخارجية فيصل بن فرحان آل سعود، إلى العاصمة الأردنية عمان، وبدأ مبحاثات حول ما جرى، وما اكد تورط ابن سلمان هو مطالبة الوفد السعودي الاردن بالإفراج عن رئيس الديوان الملكي الأردني الأسبق باسم عوض الله، المعتقل والذي ربطته السلطات بقضية الأمير حمزة، وكشف مسؤول أمريكي ، أن السعوديين أبلغوا الأردنيين بأنهم "لن يغادروا البلاد بدون عوض الله" مضيفا أنه "يبدو أنهم كانوا قلقين بشأن ما سيقوله".
وزير الخارجية السعودي التقى نظيره الاردني أيمن الصفدي، لكنه لم يلتق ملك الاردن، وهذا مؤشر على ان الملك غير راض عما جرى، ولا نستبعد بداية أزمة دبلوماسية بين البلدين في حال تمكنت الاردن من الحصول على تمويل من دولة أخرى، خاصة وان السعودية كانت قد خفضت مساعداتها على خلفية جائحة "كورونا" وكنوع من الضغط على الملك عبدالله للامتثال لشروط المملكة، لكن الامتثال لهذه الشروط سيهدد امن الاردن، ومما سبق يمكن القول ان الاردن تمر بأوقات عصيبة لاتحسد عليها، وان لم تتدخل دول كبرى سنكون امام سيناريو أزمة دولية جديدة.